الجزائر والبوليساريو يوقعان على استسلامهما في حضرة المغرب وتحت سوط الولايات المتحدة الأمريكية وأعين هيئة الأمم المتحدة
عبدالقادر كتـــرة
في هذا المقال، أحاول أن أقدم قراءة استشرافية وسيناريو سياسياً درامياً، يعكس بدقة حجم الضغوط الجيوسياسية الحالية على من أشعل فتيل نزاع دام لأكثر من 50 سنة وأجج نيرانه واحتضن مجرميه ومول وقوده، ثم احترق بلهيبه .
صدر قرار مجلس الأمن 2797 حول الصحراء الغربية المغربية وأقر بحل واحد ووحيد يتمثل في الحكم الذاتي ولا غير الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، نعم، تحت السيادة المغربية، وانطلقت الاجتماعات والمحادثات والمفاوضات، تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية وهيئة الجمعية العامة للأمم المتحدة، احتضنتها واشنطن ثم السفارة الأمريكية بمدريد وبعدها في فلوريدا بأمريكا.
خلاصة هذه اللقاءات تتجه نحو نهاية، اقتنعت بها جميع الأطراف، سواء من فضل صفة مراقب أو ملاحظ، ومن فضل صفة المستمع، نهاية تتمثل في استسلام البوليساريو ومباركة الجزائر، في حضرة المغرب وتحت عصا الولايات المتحدة الأمريكية وأعين هيئة الأمم المتحدة.
ورغم أن “الاستسلام الرسمي الموقع ومباركة الجزائر له” لم يحدث كواقعة فعلية موثقة حتى هذه اللحظة، إلا أن التحركات الأخيرة – خاصة داخل أروقة القرار في الولايات المتحدة – تجعل من هذا المشهد نهاية منطقية ومحتملة جداً لملف استنزف المنطقة لنصف قرن.
مشهد النهاية (استشرافياً) وأمام “سيف ديموقليس” الأمريكي المسلط على الرقاب، تجد قيادات البوليساريو نفسها معزولة في زاوية ضيقة، بلا غطاء دبلوماسي أو سند عسكري فعّال.
يتبلور مشهد “الاستسلام” في صيغة قبول قسري بمبادرة الحكم الذاتي كحل أوحد، وتُوقع الوثائق لإنهاء عقود من الصراع.
في الجزائر العاصمة، تتغير النبرة الإعلامية والسياسية ببراغماتية حادة؛ حيث يتحول الخطاب الدبلوماسي من “التمسك بتقرير المصير” إلى “الإشادة بالحل السلمي وطي الخلافات الإقليمية للحفاظ على استقرار شمال إفريقيا”.
يتم تسويق هذا التراجع داخلياً على أنه “انتصار للسلام”، في محاولة لإنقاذ ماء الوجه وتجنب العزلة الدولية وعواقب التصادم مع الإدارة الأمريكية.
تُطوى الخيام في تندوف تدريجياً، وتبدأ ترتيبات عودة من تبقى إلى أرض الوطن تحت مظلة السيادة المغربية، لتُغلق الستارة على واحدة من أطول أزمات الحرب الباردة في إفريقيا.
لماذا يبدو هذا السيناريو واقعياً؟
يستند هذا السيناريو إلى معطيات واقعية وضغوط تتزايد وتيرتها حالياً، ويمكن تحليلها في النقاط التالية:
ورقة الإرهاب والعصا الأمريكية: التحركات داخل الكونغرس الأمريكي (مثل مشاريع القوانين والمقترحات التي قادها نواب مثل جو ويلسون وغيره) للضغط من أجل تصنيف جبهة البوليساريو كـ “منظمة إرهابية أجنبية” (FTO) ليست مجرد مناورات عابرة.
إذا تم تمرير مثل هذا التصنيف بموجب قوانين حماية الأمن القومي الأمريكي، فإن أي جهة أو دولة تدعم الجبهة مالياً أو عسكرياً ستكون عرضة لعقوبات قاسية، مما يجعل استمرار الدعم الجزائري مقامرة خطيرة تهدد أمنها القومي واقتصادها.
الاستنزاف الاقتصادي: تكلفة دعم البوليساريو على مدار 50 عاماً (والتي يقدرها البعض بمئات المليارات من الدولارات بين تسليح، ودبلوماسية، وشراء ذمم) شكلت عبئاً هائلاً على الخزينة الجزائرية. مع التحديات الاقتصادية الداخلية، يصبح التخلص من هذا العبء ضرورة استراتيجية وإن كانت صعبة التبرير سياسياً.
العزلة الدبلوماسية: الاعترافات الدولية المتتالية بمغربية الصحراء، وخاصة الموقف الأمريكي الثابت منذ أواخر 2020 وتأييد دول أوروبية وازنة لمبادرة الحكم الذاتي، جعلت خيار “الاستقلال” شبه مستحيل واقعياً وأممياً.
سيف ديموقليس والفرصة الأخيرة
هذا السيف يمثل الخطر الوشيك والدائم الذي يهدد من يتمسك بمواقف متعنتة تتصادم مع رياح التغيير الدولي.
لقد أثبتت السياسة الدولية أن التعنت الأيديولوجي لا يمكنه الصمود أمام لغة المصالح الاستراتيجية الكبرى.
الجزائر والبوليساريو تقفان اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما التقاط فرصة السلم (حتى وإن سُمي استسلاماً أو قبولاً بالأمر الواقع) ووقف النزيف، أو مواجهة آلة العقوبات الدولية والتصنيف الإرهابي الذي سيحول المنطقة إلى بؤرة منبوذة عالمياً، وهو “الوجع” الذي تفضلت بذكره. في النهاية، عجلة التاريخ لا ترحم من يتخلف عن قراءة التحولات الجيوسياسية بشكل صحيح.

