تقاطع التقارير الاستخباراتية عن “مجموعة العمل الماليFATF” حول تحركات النظام الجزائري تتهمه بتمويل الجماعات الإرهابية

تقاطع التقارير الاستخباراتية عن “مجموعة العمل الماليFATF” حول تحركات النظام الجزائري تتهمه بتمويل الجماعات الإرهابية

عبدالقادر كتـــرة

صدر تقرير عن مجموعة العمل المالي FATF، التي تترأسها الولايات المتحدة الأمريكية ومقرها باريس، يتهم الجزائر علانية و دون تحفظات بتمويل الإرهاب، و هي المرة الأولى التي تعتبر فيها هذه المنظمة التمويلات والمساعدات والأجور و الهبات المالية التي يضخها النظام العسكري الجزائري في موازن جبهة البوليساريو بالرابوني، دعما غير مباشر للإرهاب، و تمويلا للجماعات الحاملة للسلاح.

تحركات النظام العسكري الجزائري تلامس وتراً حساساً في بنية التفكير الاستراتيجي والأمني للنظام الجزائري.

في الواقع، قراءة التقارير الدولية الدورية (مثل تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول الإرهاب، وتحليلات الاستخبارات الفرنسية والبريطانية) تكشف عن نمط متكرر يتقاطع بقوة مع هذه الفرضية.

التقارير الغربية لا تقول صراحة إن النظام “يصنع” الإرهاب من الصفر اليوم، ولكنها تجمع على معطيات تؤكد وجود “توظيف سياسي وأمني” لخلايا متطرفة خاملة، وذلك عبر النقاط التالية:

– تقارير الخارجية الأمريكية الدورية (2021 – 2023): تؤكد هذه التقارير أن قدرة الجماعات الإرهابية التقليدية (مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أو فلول داعش) تراجعت إلى مستويات “شبه معدومة” من حيث القدرة على شن هجمات داخلية. ورغم ذلك، تلاحظ واشنطن أن السلطات تستمر في الإعلان عن اشتباكات في مناطق جبلية، والأخطر من ذلك أنها قامت بتعديل المادة 87 مكرر من قانون العقوبات لدمج المعارضة السياسية السلمية (مثل حركة “الماك” الانفصالية في القبائل، وحركة “رشاد” ذات التوجه الإسلامي) في قوائم الإرهاب، واستخدام تهمة “الإرهاب” لقمع النشطاء.

– التقارير والمخاوف الفرنسية: تشير تحليلات مراكز التفكير الأمنية (مثل تقارير Menas Associates الاستشارية البريطانية واهتمامات المخابرات الفرنسية DGSE) إلى أن النظام الجزائري يسعى لخلق “حالة رعب مصطنعة” حول منطقة القبائل. لقد ضغطت المخابرات الجزائرية بشدة على نظيرتها الفرنسية لتسليم نشطاء قبائليين بحجة تحضيرهم لأعمال مسلحة وتخريبية، وهو ما قوبل بحذر فرنسي، إذ يُنظر إليه كمحاولة لتصدير أزمة سياسية داخلية وإلباسها ثوب الإرهاب.

– تكتيك “حرب العصابات الموجهة”: التقطت التقارير الحقوقية والأمنية الخيوط التي تربط بين الأحداث المأساوية في منطقة القبائل (مثل حرائق الغابات في 2021) والانتشار العسكري المكثف الذي تلاها. تم استغلال تلك الأحداث لفرض طوق أمني صارم على المنطقة بحجة ملاحقة “خلايا إرهابية وانفصالية” متخفية في الجبال، مما يسهل إحكام القبضة العسكرية على مجتمع مدني رافض للسلطة.

لماذا القبائل؟ ولماذا الآن؟

محاولة “إيقاظ” أو الدفع نحو إعادة تشكيل جماعات متطرفة في سلاسل جبال القبائل (مثل تيزي وزو، بجاية، والبويرة) يخدم استراتيجية النظام من خلال أبعاد تكتيكية واضحة:

– عسكرة بؤرة المعارضة الأشرس: منطقة القبائل كانت القلب النابض لـ “الحراك” الشعبي، والمنطقة الأكثر تسجيلاً لنسب المقاطعة الشاملة في الانتخابات. إحياء “التهديد الإرهابي” يمنح الجيش المبرر الدستوري والأمني لفرض حالة حصار غير معلنة ونشر القوات الخاصة فيها دون إثارة انتقادات دولية كبرى (لأن العنوان هو “مكافحة الإرهاب”).

– ضرب العلمانيين بالإسلاميين (كماشة التناقضات): النظام يروّج لسردية أمنية هجينة تجمع بين المطالب الانفصالية (الماك) والتطرف الديني (بقايا الجماعات المتطرفة). إيقاظ خلايا متطرفة في معقل ذي طابع علماني وأمازيغي يخلق حالة من الرعب المحلي المزدوج، ويدفع سكان المنطقة للاختيار بين أمرين أحلاهما مر: إما الفوضى والإرهاب، أو الارتماء في حضن الدولة المركزية طلباً للحماية الأمنية.

– إعادة إنتاج شرعية “العشرية السوداء”: العقيدة العسكرية الجزائرية الحديثة استمدت شرعيتها من فكرة “الجيش المنقذ من الإرهاب”. في ظل تآكل الشرعية السياسية والأزمات الاقتصادية، يحتاج النظام إلى إبقاء هذا “العدو الوجودي” حياً لاستنساخ نفس أدوات السيطرة التي استخدمت في التسعينيات (عبر ما عُرف بتكتيك Qui tue qui? أو “من يقتل من؟”، الذي اعتمد على اختراق وتوجيه بعض الجماعات الإسلامية المسلحة).

خلاصة القول، ما تراه وتقرأه ليس محض تخمين، بل هو ما يُعرف في الاستراتيجيات الجيوسياسية بـ “الهندسة الأمنية للأزمات” (Controlled Instability).

النظام الجزائري اليوم لا يحتاج إلى تنظيم إرهابي قوي يهدد العاصمة، بل يحتاج إلى “بؤر توتر مسيطر عليها” في مناطق جغرافية مزعجة سياسياً كمنطقة القبائل.

استخدام المتطرفين كـ “فزاعة تكتيكية” أو غض الطرف عن تنامي نشاطهم لتحقيق مكاسب سياسية، يحمل مخاطر استراتيجية كبرى. هذه اللعبة قد تخرج عن السيطرة، خاصة مع هشاشة الأوضاع في دول الساحل، مما قد يحول الجبال الجزائرية إلى نقطة التقاء غير مقصودة بين الخلايا المحلية الموقظة حديثاً وعصابات الجريمة العابرة للحدود المتمركزة في الجنوب.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *