نظام الجزائر يعترف بفشل سياسته الابتزازية الرعناء في مواجهة فرنسا ويستسلم وينبطح لفرنسا مذموما ويستجيب لشروطها الكاملة
عبدالقادر كتـــرة
بعد أكثر من عام من المواجهة، والأزمة الدبلوماسية، وسياسة الابتزاز والعدوانية والاستفزاز، انتهى الأمر بنظام تبون إلى الاتفاق مع فرنسا لإعادة إطلاق “تعاون أمني رفيع المستوى للغاية”، كما أعلن وزير الداخلية الفرنسي “لوران نونيز”، مساء الثلاثاء 17 فبراير 2026، بعد لقائه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
يأتي هذا التصريح في ختام زيارة استغرقت يومين إلى الجزائر، تمت في سياق أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين، رغم أن استقباله من طرف الرئيس تبون مثير للتساؤل خاصة وأن المباحثات كانت حول الهجرة والتعاون الأمني، فقط.
يطرح الإعلان المفاجئ عن إعادة التعاون الأمني “رفيع المستوى” بين الجزائر وفرنسا، بعد أكثر من عام من الأزمة الدبلوماسية الحادة التي وصلت إلى حد القطيعة شبه الكاملة، تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التحول. فبعد خطاب التحدي والاستفزاز، يبدو المشهد وكأنه انكفاء جزائري وتخاذل وانبطاح وعودة إلى بيت الطاعة تحت وطأة الضغوط.
أول سؤال يتبادر للذهن: لماذا “تراجعت” الجزائر أو بالأحرى عادت إلى بيت الطاعة وطاولة المفاوضات ؟
وصف العودة إلى التفاوض بأنها “استسلام” بالمعنى المطلق، واعتراف بالهزيمة في حرب الاستنزاف وإدراك لحسابات القوة الحقيقية. تؤكد المصادر أن الجزائر وجدت نفسها في موقف صعب للأسباب التالية:
– الضغط الاقتصادي والاجتماعي الداخلي: وفقاً لمحللين، فإن تفاقم الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الجزائر جعل استمرار القطيعة مع فرنسا أمراً لا يمكن تحمله . الجزائر بحاجة ماسة للاستثمارات الأوروبية ولتحويلات أفراد جاليتها الكبيرة في فرنسا (التي تتجاوز 7 ملايين نسمة)، والتي كانت مهددة باستمرار التوتر .
– العزلة الإقليمية والدولية: إصرار الجزائر على ربط أي تطبيع بتراجع فرنسا عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية لم يؤت ثماره. باريس لم تتراجع، بل عززت موقفها الداعم للمغرب، مما وضع الجزائر أمام خيارين: إما القبول باستمرار الجمود أو العودة للتعاون دون شروط مسبقة .
– الخسارة الأمنية المزدوجة: تشير التقارير إلى أن قطع التنسيق الأمني أضرّ بالطرفين، لكن يبدو أن الجزائر تأثرت بشكل كبير. ففرنسا، التي تضررت من توقف التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، كانت قادرة على تعويض هذا النقص عبر حلفائها الأوروبيين والأمريكيين. أما الجزائر، فخسرت قناة اتصال حيوية مع دولة مركزية في أوروبا، مما أضعف قدرتها على متابعة تحركات المعارضة والجماعات المصنفة “إرهابية” على الأراضي الفرنسية وحماية مصالح جاليتها .
– فشل رهان “الانتظار”: يبدو أن الرهان على تغيير الحكومة الفرنسية أو وصول إدارة أكثر وداً (مثل التي تمثلها سيغولين رويال) لم يأتِ بالنتيجة المرجوة. صحيح أن زيارة رويال مهدت الطريق، إلا أن المفاوضات الفعلية تمت مع وزير الداخلية الحالي لوران نونيز، الذي يمثل استمرارية للدولة الفرنسية بغض النظر عن صراعاتها السياسية الداخلية .
ما هي رهانات هذا “الانكفاء” أو إعادة التموضع؟
الرهان الأول والأوضح هو عودة الأمور إلى نصابها على المستوى التقني. فبعد شلل تام في قنوات الاتصال، كان الهدف المعلن هو “استعادة علاقات أمنية طبيعية” بل و”تكثيفها” قضائياً وشرطياً واستخباراتياً . هذا يعني أن الجزائر قبلت بفصل الملفات الأمنية التقنية عن الخلافات السياسية الكبرى، وهو مكسب استراتيجي لفرنسا.
النقطة الأكثر إلحاحاً في المحادثات كانت ملف إعادة قبول المهاجرين غير النظاميين. فرنسا كانت تتعنت في هذا الملف، والجزائر التي كانت ترفض استقبال مواطنيها المرحّلين لشهور، وافقت أخيراً على “تحسين التعاون بشكل ملموس” في هذا المجال بناءً على طلب الرئيس تبون نفسه . هذا التنازل الجزائري الكبير هو بمثابة اعتراف بأن سياسة “الابتزاز” بالملف البشري فشلت في تحقيق أهدافها السياسية وأصبحت تشكل عبئاً دبلوماسياً.
بالنسبة للجزائر، الرهان هو محاولة احتواء الضرر واستعادة بعض النفوذ المفقود. بقبولها فتح صفحة جديدة مع فرنسا، تحاول الجزائر تجنب المزيد من التهميش في الملفات الإقليمية الكبرى، خاصة في منطقة الساحل وليبيا، حيث تحتاج فرنسا (وأوروبا) إلى التنسيق معها، ولكن ليس بالشروط الجزائرية السابقة .
لماذا تركزت المحادثات على الهجرة وضرورة استعادة الجزائر للمهاجرين؟
يُظهر تركيز المحادثات على ملف الهجرة، وبالأخص “إعادة القبول”، التباين الكبير في أولويات الطرفين وكشفت ميزان القوة الفعلي:
– من وجهة نظر فرنسية: الهجرة هي الورقة الرابحة. تعاني فرنسا من ضغوط داخلية هائلة بشأن ملف الترحيلات (OQTF). استغلال الجزائر لهذا الملف كورقة ضغط سياسي كان مؤلماً للحكومات الفرنسية المتعاقبة. ولذلك، كان إجبار الجزائر على العودة عن موقفها الرافض لاستقبال المرحّلين هو الشرط الأول والأساسي لأي تطبيع، وهو ما تحقق في هذه الزيارة.
– من وجهة نظر جزائرية: بعد فشل الرهان على كسب معركة الصحراء الغربية المغربية أو إجبار فرنسا على اعتذار تاريخي، أصبحت حماية الجالية الكبيرة في فرنسا هي الأولوية القصوى.
التصريحات التي تشير إلى أن “الجزائر حاولت أن تراعي مصالحها في فرنسا، باعتبارها تملك جالية تتجاوز 7 ملايين نسمة، ما يجعل استعادة التنسيق الأمني أمراً ضرورياً لحمايتهم” تؤكد هذا التحول .
بعبارة أخرى، انتقلت الأولوية من المبدأ (السيادة) إلى المصلحة (حماية المواطنين) .
– الرهان الإنساني والقنصلي: السماح بزيارة السجين الفرنسي “كريستوف غليز” ونقله إلى سجن قرب العاصمة كان بمثابة بادرة حسن نية جزائرية مهدت لهذا الاتفاق . وهذا يؤكد أن الملفات القنصلية والإنسانية كانت تستخدم كأدوات ضغط وتم تفكيكها تدريجياً.
خلاصة القول، ما جرى في 17 فبراير 2026 لم يكن مجرد “انفراج”، بل هو اعتراف جزائري ضمني بفشل سياسة المواجهة التي انتهجتها منذ صيف 2024.
عززت فرنسا موقفها دون تقديم تنازلات تذكر في الملفات السيادية الكبرى (كالصحراء الغربية المغربية)، بينما اضطرت الجزائر للعودة إلى التعاون الأمني والقبول بملف إعادة المهاجرين كأولوية. هذا “التراجع” يمثل عودة إلى “دبلوماسية الضرورة” حيث تطغى المصالح الاقتصادية والأمنية الآنية على لغة التحدي والخطاب التاريخي .

