وضع تسعة رؤوس خنازير بأبواب مساجد بباريس، حادث وصف بـ”الإرهاب الثقافي” يستهدف استفزاز المشاعر الدينية للمسلمين
عبدالقادر كتــرة
أعلنت النيابة العامة الفرنسية أن مواطنين أجنبيين كانا وراء وضع تسعة رؤوس خنازير خارج عدد من المساجد في منطقة باريس، وذلك في حادث وصفته بـ”الإرهاب الثقافي” الذي يستهدف استفزاز المشاعر الدينية للمسلمين وإثارة الاضطرابات المجتمعية. هذه الحادثة تأتي في سياق تصاعد ملحوظ في الجرائم المعادية للإسلام في فرنسا، والتي زادت بنسبة 75% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025 مقارنة بالعام السابق .
وحسب ما تداوله الإعلام اللرنسي والدولي يشتبه في كون مواطنين أجنبيبن (يُشتبه في أنهما من صربيا بناءً على لوحة تسجيل السيارة)، اشتريا رؤوس الخنازير من مزارع في منطقة النورماندي باستخدام خط هاتف محمول كرواتي ثم غادرا فرنسا إلى بلجيكا مباشرة بعد الحادث.
استهدف الفاعلان مساجد في باريس وضواحيها (مونتروي، مونروج، مالاكوف، جونتيي) بعد أن كُتب اسم الرئيس الفرنسي “ماكرون” باللون الأزرق على بعض الرؤوس .
وتعرف أوروبا تصاعد “الاسلاموفوبيا” (كراهية وحقد ضد الإسلام والمسلمين) في فرنسا حيث سجلت وزارة الداخلية الفرنسية 145 حادثة معادية للمسلمين بين يناير ومايو 2025، مقارنة بـ83 حادثة في الفترة نفسها من عام 2024 .
وتضاعفت الهجمات المباشرة على المسلمين ثلاثة أضعاف بعد الحرب على غزة, حيث أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية إلى ازدياد كراهية المسلمين ومعاداة السامية منذ أكتوبر 2023 .
من جهة، اتُهم “برونو ريتايو” وزير الداخلية الفرنسي بـ”تغذية الكراهية” عبر رفضه استخدام مصطلح “الإسلاموفوبيا Islamophobia” ووصفه إياه بأنه “كلمة صاغها الإخوان المسلمون” .
وصف النائب في البرلمان الفرنسي “عبد القادر لحمر” تصريحات الوزير بـ”النفاق”، قائلاً: “عندما يصر وزير الداخلية على خطاب معاد للإسلام ويشرعه، فكيف لنا أن نستغرب تزايد الأعمال التي تستهدف المسلمين؟” .
من جهة ثانية، لم يتوقف الامر عد الإسلاموفوبيا بل تجاوزه إلى تخريب مواقع يهودية: في يونيو 2025، اتُهم ثلاثة صربيين بتخريب مواقع يهودية في قضية يُشتبه بوقوف روسيا خلفها .
وأشار لوران نونيز، قائد شرطة باريس، إلى أن “عملاً بهذا الحجم ينفذه عدة أشخاص في وقت واحد يثير التساؤلات”، مقارناً إياه بأحداث سابقة نُفذت بتدخل أجنبي .
من جهة أخرى، وصفت النيابة العامة الفعل بأنه يحمل “رغبة واضحة في إثارة الاضطرابات داخل الأمة”، وكتابة اسم “ماكرون” على بعض الرؤوس قد تُفسر كمحاولة لربط الحادثة بالخطاب السياسي الفرنسي .
وأثر هذا الفعل المقيت والمشين ردود الفعل الرسمية والشعبية حيث التقى الرئيس ماكرون ممثلين عن الجالية المسلمة وأعرب عن “دعمه الكامل”، فيما وصف الأفعال بـ”المشينة” و”غير المقبولة إطلاقاً”، مؤكداً أن “الجمهورية هي العلمانية، وأن العلمانية هي الحرية في أن يتمكن كل فرد من ممارسة دينه ومعتقده كما يشاء” .
عمدة باريس “آن هيدالغو” نددت بـ”أعمال عنصرية” وأعلنت أن المدينة تتخذ إجراءات قانونية .
من جهته. ندد عميد المسجد الكبير في باريس شمس الدين حفيظ بـ”الأعمال المعادية للإسلام” ووصفها بـ”مرحلة جديدة ومؤسفة في تنامي الكراهية للمسلمين” .
وعبر “باسيرو كامارا”، رئيس مجموعة “آدم” المناهضة للتمييز، عن خشيته من التصعيد، قائلاً: “ندق ناقوس الخطر منذ شهور ولا أحد يسمعنا.. ماذا ستكون الخطوة التالية؟ إلقاء رؤوس الخنازير على المصلين أو مهاجمتهم جسدياً؟” .
هذا الحادث قد يؤدي إلى تعميق شعور المسلمين بعدم الأمان وممارسة شعائرهم الدينية بحرية وقد يزيد الحادث من الاستقطاب الاجتماعي بين المسلمين وبقية مكونات المجتمع الفرنسي.
قد تدفع الحادثة إلى مراجعة أكثر جدية لسياسات مكافحة الكراهية والعنف الديني بتعزيز حماية أماكن العبادة عبر اتخاذ الإجراءات الأمنية حول المساجد والأماكن الدينية.
خلاصة القول، حادثة وضع رؤوس الخنازير أمام المساجد في باريس ليست مجرد عمل استفزازي معزول، بل هي تجلٍ لمشكلة أعمق تتعلق بتصاعد الخطاب المعادي للإسلام في فرنسا وتأثيره على الاستقرار الاجتماعي.
في حين أدانت السلطات الفرنسية الحادثة، يبقى السؤال حول فعالية الإجراءات الوقائية وضرورة معالجة جذور المشكلة عبر تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات في فرنسا، ومراجعة الخطاب السياسي والإعلامي الذي قد يغذي الكراهية، وتعزيز آليات الإبلاغ عن الجرائم المعادية للمسلمين وملاحقتها قضائياً والتعاون الدولي لمكافحة التدخلات الأجنبية التي تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.
في النهاية، فإن حماية الحق في ممارسة الشعائر الدينية بحرية وأمان هي مسؤولية جماعية، واختبار حقيقي لقيم الجمهورية الفرنسية التي تتبنى العلمانية كضمانة للحرية الدينية وليس كذريعة للقمع أو الاستبعاد.

