بحثا عن هوية مفقودة، الجزائر تطالب فرنسا باسترجاع شركة مشروب “أورنجينا” الفرنسية التي ولدت في الجزائر الفرنسية سنة 1935 قبل أن يبيعها صاحبها لشركة يابانية في2009
عبدالقادر كتـــرة
فيديو علي التيكتوك يوثق لمشهد فريد من نوعه، في الجزائر، أثار موجة من السخرية والضحك في القاعة، أثناء ندوة صحفية عقدها الرئيس السابق لفرنسا “فرانسوا هولاند” عقب زيارة رسمية للجزائر ، لما بادر صحفي جزائري
السؤال (من الصحفي الجزائري): “هل باعت فرنسا مشروب ‘أورانجينا’ لليابانيين، علماً أنه ملكية جزائرية؟”
رد الرئيس (فرانسوا هولاند بسخرية): “هذه معلومة لم أكن على علم بها! وبمجرد أن تتشكل الحكومة اليابانية، سأذهب للقائها لأرى ما يمكنني فعله… إننا نرجّ (الزجاجة) كثيراً!” (في إشارة لشعار مشروب الشركة الإشهاري: رجوني رجوني (حركوني حركوني secouez-moi secouez-moi)) (ابتسامة من هولاند وضحك في القاعة).
مشروب أورانجينا (Orangina) وُلد بالفعل في الجزائر الاستعمارية عام 1935 وتحديداً في مدينة بوفاريك (المشهورة ببرتقالها). الفكرة بدأت عندما التقى رجل أعمال فرنسي يدعى “ليون بيتون” بصيدلي إسباني (الدكتور تريجو) الذي اخترع مركّز عصير برتقال. قام بيتون بشراء الصيغة وبدأ إنتاجها وتسويقها من بوفاريك كعلامة تجارية فرنسية-جزائرية.
بعد استقلال الجزائر عام 1962، نقلت عائلة بيتون الشركة بالكامل إلى فرنسا (مرسيليا ثم باريس)، وأصبح المشروب رمزاً فرنسياً شهيراً.
في عام 2009، قامت المجموعة الفرنسية (عبر صفقات تجارية بين شركات خاصة وليس الدولة الفرنسية) ببيع علامة “أورانجينا” بالكامل للمجموعة اليابانية العملاقة مقابل قرابة 2.6 مليار يورو.
المنتوج لا علاقة له بالجزائر ولا بهوية الجزائر، ولم تكن الجزائر موجودة آنذاك بل كانت مقاطعة فرنسية “وراء البحر” مثلها مثل اي مقاطعة فرنسية في فرنسا…
فكيف يقال عنها إنها منتوج جزائري؟
لو أن شركة أجنبية مثل شركة فياط الإيطالية تستثمر في المغرب، هل من المعقول ادعاء أن سيارة فياط مغربية، وهل مأكولات “ماك دونالد” في فرنسا تدعى فرنسية؟؟؟؟.
من الناحية القانونية والتجارية، هذا الإدعاء غبي وخاطئ 100%. هناك خلط شائع بين “مكان الولادة الجغرافية” للمنتج وبين “الملكية الفكرية والوطنية” له.
1. صحة القياس: (صُنع في…) مقابل (مملوك لـ…)
الأمثلة السابقة هي القاعدة الذهبية في الاقتصاد العالمي اليوم:
– سيارات فياط (Fiat) في المغرب: المصنع موجود في القنيطرة، اليد العاملة مغربية، وربما بعض قطع الغيار محلية، لكن السيارة تبقى إيطالية الهوية والتصميم والأرباح، ويُكتب عليها “صُنعت في المغرب” وليس “سيارة مغربية” كعلامة تجارية وطنية.
– ماكدونالدز في فرنسا: يشتري 80% من مكوناته من مزارع فرنسية تماشياً مع الذوق المحلي، لكن الهوية البصرية والأرباح الكبرى والعلامة التجارية تظل أمريكية خالصة.
بالتالي، “أورانجينا” في بوفاريك عام 1935 كانت منتجاً فرنسياً (برأس مال فرنسي ووصفة مُشتراة من إسباني) أُنتج على أرض جزائرية.
2. الوضع القانوني والسياسي عام 1935
قانونياً، وفي سياق تلك الحقبة الاستعمارية، كانت فرنسا تعتبر الجزائر “مقاطعات فرنسية تقع وراء البحر”، ولم تكن هناك مؤسسات دولة جزائرية مستقلة تدير براءات الاختراع أو تمتلك شركات تجارية. الشركات التي تأسست هناك كانت تخضع للقانون التجاري الفرنسي، وأصحابها (مثل عائلة بيتون) مواطنون فرنسيون. لهذا السبب، عندما حان وقت الاستقلال في 1962، لم تقم الدولة الجزائرية بـ”تأميم” الشركة لأنها كانت ملكية خاصة نُقلت أصولها القانونية وإدارتها إلى مرسيليا وبذات السجل التجاري الفرنسي.
3. إذن، لماذا يصر البعض على تسميته “مشروباً جزائرياً”؟
الربط الذي قام به الصحفي (ويقوم به الكثيرون تاريخياً) لا يستند إلى القانون أو الملكية الفكرية، بل إلى “العاطفة الجغرافية وسيكولوجية المكان”:
– ارتباط بالتربة : المشروب اعتمد أساساً على البرتقال الشهير لسهل المتيجة ومدينة بوفاريك. بالنسبة للذاكرة المحلية، ارتبط اسم المشروب بالمدينة جغرافياً.
– التسويق الفرنسي نفسه: في بداياته، كان المشروب يسوّق في فرنسا كـ “عصير البرتقال القادم من الجزائر الفرنسية”، مما رسخ في الأذهان أن أصل الفكرة مرتبط بتلك الجغرافيا.
خلاصة القول، الطرح القانوني والاقتصادي السليم: أورانجينا لم تكن يوماً ملكية عامة أو خاصة للدولة الجزائرية بمفهوم السيادة الوطنية.
سؤال الصحفي كان تعبيراً عن “حنين جرافي” أو محاولة لربط أمجاد المشروب العالمية بأرضه الأولى، في حين أن رد فرانسوا هولاند الساخر كان يعكس نظرة الدبلوماسي العارف بأن المنتج في النهاية هو “بزنس” وشركات خاصة تنتقل ملكيتها بين بوفاريك، باريس، وطوكيو عبر لغة المال والأعمال، ولا علاقة له بالسيادة السياسية.

