الجزائر: الأمن يستدعي الصحفيين ويهددهم من نشر أخبار الطوابير على المنتجات الواسعة الاستهلاك وتدهور الأوضاع الاجتماعية
عبدالقادر كتــرة
في خطوة قمعية خطيرة تذكر بزمان الانظمة الشمولية الاستبدادية، قامت الأجهزة الأمنية للنظام العسكري الجزائري المارق باستدعاء الصحفيين الجزائريين وترهيبهم وتحذيرهم بشكل شديد من قبل أجهزة الأمن لإجبارهم على عدم نشر أي مقال أو تعليق أو تقرير يتناول مشاكل نقص المنتجات الغذائية أو الاستهلاك الواسع، وإشكالية غلاء المعيشة، والتضخم المُتسارع، أو تدهور أوضاع الأسر الجزائرية.
هذه الرقابة المُعلَنَة سياسيًا من قبل السلطة الحاكمة في الجزائر تُبرَّر بحجج مدهشة وغير منطقية: “نحن في حرب مع المغرب وفرنسا وإسرائيل وحلفائهم. لا يجب تشويه صورة البلد وتعريض سمعته للخطر!”.
هذا التبرير الأمني يخرج مباشرة من كتابة وتوجيهات دائرة الاتصال بقصر الرئاسة في المرادية، حسب ما صرح به الصحفي الاستقصائي الجزائري المعارض عبدو سمار في انتقاده لقرارات النظام العسكري الجزائري.
لم يعد مسموحًا بالتحدث عن غلاء أسعار السردين أو ندرة خضرة ما أو نقص فاكهة معينة.
إنها جريمة يعاقب عليها بالسجن في هذه الجزائر عام 2025، حيث يجب إخفاء المشاكل الحقيقية للفقر والبؤس الاجتماعي كي لا يتم الكشف عن الإخفاق الكبير في الإدارة الاقتصادية للبلاد من قبل الحكام الحاليين.
جاء هذه القرار الغبي لجنراات ثكنة بنعكنون وكهنة معبد قصر المرادية، حيث تنامت كالفطر. طوابير مهولة لشراء… الموز أو اللحوم المستوردة!
هذه هي المشاهد التي تُرصَد عام 2025 في بلد مثل الجزائر، التي تزخر أراضيها بثروات كالنفط والغاز والمعادن النادرة والفوسفات وغيرها من المصادر الطاقة الثمينة.
طوابير من أجل الموز واللحوم الحمراء—هذه الصور المُذِلَّة للشعب الجزائري تُفسَّر بسوء الإدارة الاقتصادية والسياسات الفوضوية التي ينفذها الحكام الحاليون: قيود مبالغ فيها على الواردات، تدخل شركات الدولة في توزيع المنتجات الاستهلاكية، تحديد عشوائي للأسعار، تقييد أرباح التجار بشكل غير عقلاني، انتهاك حقوق المستوردين والقطاع الخاص، وإدارة تجارية قائمة على النهج الأمني، بتعبير عبدو سمار.
كل هذه العوامل تُسبِّب ظهور طوابير الجوع للحصول على أساسيات الغذاء. أسباب لا يجرؤ أو يستطيع أحد التحدث عنها لشرح آثارها الكارثية على مستوى معيشة الجزائريين.
هذه الأوضاع جعلت الجزائر تعاني من تصاعد القمع المنظَّم ضد حرية التعبير، خاصة تحت ذريعة “الأمن القومي” في ظل توترات إقليمية (كالنزاع مع المغرب حول الصحراء الغربية، والعلاقات المتوترة تاريخيًا مع فرنسا). وتُستخدَم هذه الذرائع لتبرير إسكات أي نقد يتعلق بفشل السياسات الاقتصادية، مما يعكس هوس السلطة بالسيطرة على السردية الإعلامية.
ورغم امتلاك الجزائر ثروات طبيعية (ثالث أكبر احتياطي غاز في إفريقيا)، إلا أن الاعتماد شبه الكلي على عائدات المحروقات أدى إلى اختناقات اقتصادية عند انهيار أسعار النفط. سياسات تقييد الواردات (مثل “ترخيص التوريد” الإلزامي) بدعوى “حماية الإنتاج المحلي” فشلت في تنويع الاقتصاد، بل تسببت في نقص السلع وارتفاع الأسعار، خاصة مع ضعف الزراعة المحلية.
لهذه الأوضاع الاقتصادية لها تأثير اجتماعي حيث المشاهد اليومية للطوابير أمام المحلات (كما حدث مع نقص الحليب عام 2022) تُظهر تفاقم أزمة الثقة بين الشعب والسلطة. غياب الشفافية في توزيع الثروة (مثل صندوق ضبط الإيرادات) يزيد السخط الشعبي، خاصة مع انتشار البطالة بين الشباب (تصل إلى 15% في 2023).
وبدل الانكباب على حل هذه أزمات الاقتصادية والاجتماعية يختار النظام العسكري الجزائري ذي النمط الملاسيكي في الأنظمة الشمولية إلى سلوك القمع الإعلامي كأداة سياسية لتحويل الأزمات الداخلية إلى صراعات خارجية (مثل اتهام فرنسا أو “التطبيع” مع إسرائيل) لتحويل انتباه الرأي العام.
الواقع أن الجزائر تحتل “المرتبة 134 عالميًا” في مؤشر حرية الصحافة (2023)، حيث يواجه الصحفيون تهمًا مثل “إضعاف الروح المعنوية للجيش”.
لكل هذا له تداعيات مستقبلية خاصة في ظل
استمرار هذه السياسات التي قد يفجِّر احتجاجات شبيهة بـ “الحراك الشعبي 2019″، خاصة مع تنامي الوعي بحقوق الإنسان عبر منصات التواصل الاجتماعي.
الجزائر تعيش مفارقة خطيرة: بلد غني بموارده، لكن شعبها يُكافح من أجل أساسيات العيش. القمع الإعلامي ليس سوى غطاء لفشل نخبة حاكمة عاجزة عن الإصلاح، مما يهدد بتحويل الأزمة الاقتصادية إلى انفجار اجتماعي لا يمكن احتواءه بأدوات القمع التقليدية.

