مِنْ عَقِيدَةِ الْحُدُودِ الْمُغْلَقَةِ إِلَى التَّحَصُّنِ فِي “مَادَامَا”: عِشْرُونَ أَلْفَ جُنْدِيٍّ جَزَائِرِيٍّ فِي اخْتِبَارِ السَّاحِلِ وَالرِّمَالِ الْمُتَحَرِّكَةِ وَالْحَرَكَاتِ الْمُعَارِضَةِ لِلنِّظَامِ النِّيجِيرِيِّ وَالْمِيلِيشِيَاتِ الْمُتَمَرِّدَةِ عَلَيْهِ

مِنْ عَقِيدَةِ الْحُدُودِ الْمُغْلَقَةِ إِلَى التَّحَصُّنِ فِي “مَادَامَا”: عِشْرُونَ أَلْفَ جُنْدِيٍّ جَزَائِرِيٍّ فِي اخْتِبَارِ السَّاحِلِ وَالرِّمَالِ الْمُتَحَرِّكَةِ وَالْحَرَكَاتِ الْمُعَارِضَةِ لِلنِّظَامِ النِّيجِيرِيِّ وَالْمِيلِيشِيَاتِ الْمُتَمَرِّدَةِ عَلَيْهِ

عبدالقادر كتـــرة

في تحول تاريخي ينهي عقوداً من العقيدة العسكرية الصارمة التي حبست الجيش الجزائري داخل حدوده منذ سبعينيات القرن الماضي، انتقلت الجزائر رسمياً من استراتيجية “الدفاع الثابت” إلى “الانتشار المتقدم” في عمق الساحل الإفريقي. ومع تمركز قوة عسكرية جزائرية ضخمة يُقدر قوامها بنحو 20 ألف جندي، واتخاذها من قاعدة “ماداما” الاستراتيجية أقصى شمال النيجر مركز ثقل لعملياتها، تدخل المنطقة مرحلة جيوسياسية غير مسبوقة. غير أن هذا الانتشار لا يجري في أرض ممهدة؛ بل يصطدم بواقع ديمغرافي وعسكري معقد، بدأت ملامحه تظهر في رسائل التحدي المصورة التي يبثها مسلحو الحركات المتمردة في شمال النيجر، متوعدين بمواجهة ما يصفونه بـ”التدخل الأجنبي الساعي لحماية نظام نيامي”.

قاعدة “ماداما”: حصن استراتيجي أم عزلة في قلب الصحراء؟

لا يُعد اختيار قاعدة “ماداما” القريبة من المثلث الحدودي (النيجري – الليبي – التشادي) تفصيلاً عسكرياً عابراً. فالقاعدة التي استخدمتها القوات الفرنسية سابقاً كنقطة ارتكاز متقدمة لمراقبة طرق التهريب والجماعات المسلحة، تمثل المفتاح الجغرافي للسيطرة على إقليم أغاديز وهضبة “جادو”.

إلا أن تحصن فيلق عسكري بهذا الحجم (20 ألف جندي بعتادهم الثقيل ومنظوماتهم اللوجستية) في هذه النقطة المعزولة يفرض تحديات عملياتية هائلة على القيادة العسكرية الجزائرية:

1- تحدي خطوط الإمداد الطويلة: إدارة وتأمين شريان لوجستي يمتد لمئات الكيلومترات عبر تضاريس صحراوية قاسية لتزويد 20 ألف مقاتل بالوقود، والمياه، والذخيرة، يجعل أرتال التموين هدفاً مثالياً ومرغوباً لحرب الكمائن والعبوات الناسفة.

2- صراع الجيش النظامي مع حرب العصابات: يمتلك الجيش الجزائري تفوقاً نارياً وجوياً كاسحاً في الحروب الكلاسيكية، لكن الخصم المحتمل في صحراء النيجر ليس جيشاً نظامياً؛ بل تشكيلات مسلحة خفيفة الحركة من قوميتي “التبو” و”الطوارق” (مثل مجلس المقاومة وجبهة التحرير)، تحفظ مسالك الصحراء وشعابها، وتتقن تكتيكات “اضرب واهرب”، ما يضع القوات المتحصنة في “ماداما” أمام خطر التحول من “قوة ردع” إلى “هدف ثابت” للاستنزاف المستمر.

3- حساسية الحاضنة الاجتماعية: أي خطأ في قواعد الاشتباك، أو استهداف لقوافل التجارة البينية التي يعتمد عليها سكان الشمال وتصنيفها كـ”تهريب”، سيؤدي فوراً إلى توحيد القبائل العابرة للحدود ضد الوجود الجزائري، ونقل التوتر إلى داخل الجنوب الجزائري نفسه الذي يتقاسم الامتداد القبلي ذاته.

التداعيات على النظام العسكري في النيجر: طوق نجاة بثمن سياسي باهظ

بالنسبة للمجلس العسكري الحاكم في نيامي بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، يمثل التدخل الجزائري طوق نجاة حيوي في لحظة حرجة، لكنه يحمل في طياته سيفاً ذا حدين:

– المكاسب الآنية لنظام نيامي: يتيح وجود 20 ألف جندي جزائري في الشمال وتأمينهم لمنطقة أغاديز وحقول النفط (مثل حقل كافرا) وتدفق المحروقات، تفريغ قوات الجيش النيجري المنهكة للتركيز على الجبهة الجنوبية والغربية (منطقة الحدود الثلاثية مع مالي وبوركينا فاسو) حيث تنشط الجماعات الجهادية الأكثر دموية، فضلاً عن تأمين العاصمة نيامي من أي محاولات انقلابية أو زحف مسلح من الشمال.

– أزمة الشرعية والخطاب السيادي: بنى المجلس العسكري في نيامي شرعيته الشعبية على خطاب “السيادة الوطنية” وطرد القوات الأجنبية (الفرنسية والأمريكية). استدعاء جيش أجنبي بهذا الحجم للانتشار فوق التراب الوطني يمنح حركات التمرد المسلحة ومؤيدي الرئيس المخلوع محمد بازوم ذريعة سياسية وإعلامية قوية لتصوير النظام الحاكم كسلطة عاجزة تستقوي بالخارج لقمع أبناء البلد الذين يرفعون شعار “التحرر”.

– تصدع “تحالف دول الساحل”: يضع هذا الارتماء النيجري في الحضن العسكري الجزائري نظام نيامي في موقف حرج أمام حليفيه في “تحالف دول الساحل”، لا سيما المجلس العسكري في مالي (باماكو) الذي يعيش قطيعة سياسية وتوتراً أمنياً حاداً مع الجزائر. هذا التباين قد يفجر خلافات مكتومة داخل الحلف الثلاثي ويضعف تنسيقه العسكري، خاصة مع تحفظ روسيا (الداعم الرئيسي لمالي وبوركينا فاسو) على التمدد العسكري الجزائري في مناطق نفوذ “الفيلق الإفريقي”.

ما وراء الميدان: حسابات الغاز والجيوسياسيا

تدرك الجزائر أن بقاءها خارج المشهد في النيجر يعني سقوط حديقتها الخلفية في يد قوى إقليمية ودولية منافسة، وتهديد مشاريعها الطاقوية الكبرى، وعلى رأسها أنبوب الغاز العابر للصحراء واستثمارات شركة “سوناطراك”. غير أن الرهان على الحسم العسكري لتأمين الاقتصاد يصطدم بقاعدة تاريخية في منطقة الساحل: “الجيوش النظامية تسيطر على القواعد والمدن، لكن المتمردين يسيطرون على الصحراء”.

إن تمركز فيلق الـ 20 ألف جندي في قاعدة “ماداما” يضع الجزائر ونظام النيجر في قارب واحد وسط عاصفة إقليمية؛ فإما أن ينجح هذا الثقل العسكري في فرض معادلة ردع سريعة تُجبر الحركات المسلحة في الشمال على الجلوس إلى طاولة المفاوضات برعاية جزائرية، وإما أن تنزلق القوات المتحصنة في “ماداما” إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تستنزف الخزينة الجزائرية وتُفقد نظام نيامي ما تبقى له من رصيد سياسي في الداخل.

فيديو للمشاهدة

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *