الاتِّحَاد الأُورُوبِّيِ يُطَالِب الجَزَائِرَ عَلَناً بِتَقْدِيمِ “تَوْضِيحَاتٍ وَشَفَافِيَّةٍ حول تَدَخُّلِ جَيْشِهَا فِي النِّيجَرِ : اسْتِنْفَارُ بْرُوكْسِيلَ.. صِدَامُ الوَصَايَةِ الأُورُوبِّيَّةِ وَبْرَاغْمَاتِيَّةُ المَصَالِحِ القَلِقَةِ
عبدالقادر كتـــرة
لم تعد تحركات الجيش الجزائري في عمق الأراضي النيجرية مجرد تسريبات إعلامية أو تكهنات تتداولها دوائر الرصد الاستخباراتي، بل تحولت مع أواخر خريف عام 2026 إلى واقع ميداني ومؤسساتي مكتمل الأركان.
هذا التحول الاستراتيجي، الذي أخرج المؤسسة العسكرية الجزائرية من عقيدة الانكفاء داخل الحدود لأول مرة منذ نصف قرن، فجر أزمة دبلوماسية صامتة مع الاتحاد الأوروبي، تجلت في خروج المتحدث باسم الشؤون الخارجية الأوروبية، أنور العنوني، ليطالب الجزائر علنا بتقديم “توضيحات وشفافية” حول طبيعة هذا الانتشار وأهدافه وأساسه القانوني. وبين نبرة المساءلة الأوروبية وحدة الامتعاض الجزائري، تتكشف ملامح صراع جيوسياسي مفتوح على رمال الساحل الإفريقي، تتشابك فيه هواجس الأمن القومي بمطامع الطاقة وعقد الوصاية القديمة.
من شعارات الانكفاء إلى قوافل “أرليت”: سقوط التابو العسكري
لقد ظلت الدبلوماسية الجزائرية لعقود طويلة تتمترس خلف شعار دستوري صارم يقضي بعدم تدخل جيشها خارج الحدود الوطنية، متخذة من هذا المبدأ أداة للمزايدة السياسية الإقليمية تارة، ودرعا لتجنب الانخراط في مستنقعات الجوار تارة أخرى. غير أن التصويت التاريخي للبرلمان الجزائري بغرفتيه، في الخامس والعشرين من أكتوبر 2026، لصالح تفويض إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر تفعيلا للمادة 91 من الدستور المعدل عام 2020، أسدل الستار نهائيا على تلك الحقبة التي استمرت منذ حرب أكتوبر 1973.
ولم يتأخر التجسيد الميداني لهذا القرار السياسي؛ إذ شقت القوافل العسكرية الجزائرية طريقها نحو مدينة “أرليت” (Arlit) شمال غربي النيجر، ونحو قاعدة “مادما” (Madama) الاستراتيجية القريبة من المثلث الحدودي الملتهب مع ليبيا وتشاد، وهو تحرك بري سبقه تمهيد جوي في أواخر أغسطس الماضي حين أرسلت الجزائر أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30” إلى نيامي لتثبيت أركان المجلس العسكري بقيادة عبد الرحمن تياني في مواجهة تمرد داخلي.
إن اختيار هذه النقاط الجغرافية تحديدا لا يعكس مجرد رغبة في ملاحقة الجماعات الإرهابية، بل يكشف عن تمركز مدروس فوق شرايين الثروة والمسالك الحيوية؛ فمنطقة “أرليت” هي قلب إنتاج اليورانيوم النيجري، وتقع على مقربة من حقول النفط في منطقة “كفرا” حيث تستثمر شركة “سوناطراك” الجزائرية، بينما تمثل قاعدة “مادما” العقدة الأمنية التي كانت تحتلها القوات الفرنسية سابقا لمراقبة تدفقات السلاح والمهاجرين عبر الصحراء الكبرى.
عمى الاستخبارات وحمى اليورانيوم: ما وراء المساءلة الأوروبية
عندما يخرج المتحدث باسم الخارجية الأوروبية ليطالب الجزائر بتوضيحات عاجلة حول مهام جنودها في النيجر، فإنه ينطق بلسان عواصم أوروبية—وفي مقدمتها باريس—تعيش حالة من “العمى الاستخباراتي” والذهول الجيوسياسي بعد أن طردت بعثاتها العسكرية والأمنية بصورة مهينة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
لقد أصبحت أوروبا، بعد إنهاء بعثة الشراكة العسكرية الأوروبية (EUMPM) في نيامي، عاجزة عن قراءة ما يجري في الحديقة الخلفية للمتوسط، وجاء التمركز الجزائري في “أرليت” و”مادما” ليضع يد الجزائر على مفاتيح الرصد الميداني في منطقة أغلقت أبوابها في وجه الغرب.
وإلى جانب القلق الأمني، تحضر الهواجس الطاقوية والمعدنية بقوة في ذهن صانع القرار الأوروبي؛ فوصول الجنود الجزائريين إلى تخوم مناجم اليورانيوم في “أرليت” ينكأ جراح شركة “أورانو” الفرنسية التي فقدت امتيازاتها التاريخية هناك، كما أن التحرك الجزائري يرتبط عضويا بمحاولة إنقاذ وتأمين مسار أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر.
وتدرك بروكسيل أن عسكرة هذا المسار تعني سعي الجزائر لفرض أمر واقع يمنحها احتكارا استراتيجيا لمسالك الطاقة الإفريقية الموجهة نحو أوروبا، في خضم سباق إقليمي محموم مع المشروع البديل والأكثر أمانا وجدوى، والمتمثل في أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي المار عبر المغرب.
يضاف إلى ذلك خشية العواصم الغربية من أن يؤدي الوجود العسكري الجزائري في النيجر إلى تقاطع ميداني أو تخادم ضمني مع قوات “الفيلق الإفريقي” الروسي المنتشرة في فضاء “تحالف دول الساحل”، ما يكرس إخراج المنطقة نهائيا من دائرة النفوذ الغربي.
كسر العزلة أم فخاخ الاستنزاف؟ حسابات الجزائر المعقدة
على أن قراءة هذا التحرك الجزائري بمعزل عن مأزق الجزائر الإقليمي تظل قراءة ناقصة؛ فالدفع بالجيش إلى عمق النيجر لم يكن خيارا توسعيا بقدر ما كان هروبا إلى الأمام لكسر طوق العزلة الجيوسياسية الذي أطبق على خاصرة الجزائر الجنوبية.
فبعد الانهيار الكامل للعلاقات مع مالي إثر طي اتفاق الجزائر وأزمة إسقاط المسيرة في أبريل 2025، وبعد تعاظم نفوذ قوات المشير خليفة حفتر في الجنوب الليبي المتاخم للنيجر، وأمام الزخم الدبلوماسي والاقتصادي الكبير الذي حققته المبادرة الأطلسية المغربية لفك العزلة عن دول الساحل، وجدت الجزائر نفسها محاصرة بحزام من النفوذ المعادي أو المنافس، ولم يبق أمامها سوى البوابة النيجرية لمحاولة حفظ موطئ قدم في الساحل.
بيد أن هذا الرهان العسكري يحمل في طياته مخاطر استراتيجية جسيمة على الدولة الجزائرية؛ فالانتقال من حماية الحدود إلى التمركز في بيئة مفتوحة ومضطربة يجعل القوات الجزائرية هدفا مكشوفا وثمينا لحرب عصابات واستنزاف قد تشنها التنظيمات المسلحة النشطة في المنطقة، كتنظيم “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.
كما أن الارتهان لتحالفات مع أنظمة عسكرية انقلابية تعيش على وقع القلاقل الداخلية، والدخول على خط التوترات الحادة بين نيامي وجارتها تشاد—وهو ما اضطر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف للتحرك في وساطة إسعافية بين البلدين مطلع نوفمبر 2026—يضع الجزائر في قلب تناقضات إقليمية قد تستنزف مقدراتها المالية والعسكرية دون عائد استراتيجي مضمون.
ازدواجية المعايير وتهاوي السرديات الجامدة
تكشف هذه الأزمة الدبلوماسية الناشئة بين الجزائر وبروكسيل عن مشهد سياسي يطفح بالمفارقات وتهاوي السرديات التقليدية لكلا الطرفين.
فمن جهة، تتعرى ازدواجية المعايير الأوروبية التي ظلت لسنوات تضغط على دول شمال إفريقيا لتحمل أعباء الأمن الإقليمي وكبح الهجرة والإرهاب، لكنها ما إن تحركت قوة إقليمية بمعزل عن الإشراف الغربي حتى استيقظت عقدة المندوب السامي في بروكسيل، لتطالب بالحساب والشفافية، وكأن السيادة الأمنية للدول الإفريقية لا تستقيم إلا بصك غفران أوروبي؛ وهو ما دفع دبلوماسيين جزائريين، مثل الوزير الأسبق عبد العزيز رحابي، إلى تذكير بروكسيل بأنها ليست حلفا عسكريا وصيا على القارة السمراء.
ومن جهة أخرى، أسقطت رمال النيجر وهم “العقيدة الدستورية المطلقة” التي طالما تغنت بها السلطة الجزائرية في محافلها الإعلامية؛ إذ أثبتت وقائع الميدان أن شعار “عدم التدخل” و”حرمة الحدود” يتبخر فورا حين تشعر المنظومة الحاكمة بأن مصالحها الطاقوية وأوراق نفوذها الإقليمية تتآكل لصالح منافسيها.
لقد دخلت الجزائر في النيجر مرحلة “الواقعية الخشنة”، وهي مرحلة تضيف إلى علاقاتها المتوترة أصلا مع الاتحاد الأوروبي صاعق تفجير جديدا، وتضع جيشها ودبلوماسيتها أمام اختبار عسير في منطقة لم ترحم قبلها قوى عظمى كانت أكثر عدة وأطول باعا.

