وجدة بين دينامية السلطة الترابية وغياب الترافع البرلماني أين ممثلو المدينة من ذاكرتها ومستقبلها؟

وجدة بين دينامية السلطة الترابية وغياب الترافع البرلماني أين ممثلو المدينة من ذاكرتها ومستقبلها؟

سليمة فراجي 

إن المدينة التي لا يعرف ممثلوها البرلمانيون ذاكرتها، ولا يدافعون عن موروثها، ولا يحملون انشغالات حرفييها وشبابها إلى المؤسسات، تفقد جزءاً من صوتها داخل فضاء صنع القرار

حضرت مؤخراً مهرجان البلوزة الوجدية، ولم يكن حضوري مجرد مشاركة في تظاهرة للاحتفاء بلباس تقليدي أو بمنتوج من منتوجات الصناعة التقليدية، بل كان مناسبة لاستحضار سؤال أعمق يتعلق بذاكرة المدينة، وبمسؤولية صون موروثها الثقافي اللامادي، وبكيفية تحويل هذا الرصيد الحضاري إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

فالبلوزة ليست مجرد زي تقليدي؛ إنها ذاكرة نسائية واجتماعية، واختزال لمسار من الإبداع والحرفية والتوارث بين الأجيال. وهي، شأنها شأن الموسيقى والأهازيج والعادات والتقاليد والحرف والصناعات التقليدية، جزء من هوية وجدة والجهة الشرقية، ومن الذاكرة التي تركها الآباء والأجداد أمانة في أعناقنا.

غير أن صيانة التراث لا ينبغي أن تظل محصورة في الاحتفال الموسمي أو الخطاب العاطفي. فالتراث، إلى جانب قيمته الرمزية والحضارية، يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية حقيقية، من خلال تثمين الصناعة التقليدية، وتأهيل الحرفيين، وخلق فرص الشغل، وتشجيع التكوين ونقل المهارات، وإدماج المنتوج المحلي في الدورة الاقتصادية والسياحية.

ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى مشروع مؤسساتي متكامل، يبدأ بجرد عناصر التراث اللامادي وتوثيقها، وجمع الشهادات والروايات والصور والوثائق القديمة، وإنشاء متحف يحفظ الذاكرة الوجدية ويقدمها للأجيال المقبلة، مع إعداد ملفات علمية وتوثيقية للترافع من أجل ترشيح البلوزة الوجدية وغيرها من عناصر التراث المؤهلة للتسجيل ضمن قوائم اليونسكو، وفق المعايير والإجراءات المعتمدة.

وهذا الورش لا يمكن أن تنهض به جهة واحدة. إنه يتطلب شراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة والسلطات الترابية والمنتخبين والجامعة والباحثين والمجتمع المدني والمهنيين والحرفيين.

وهنا أصل إلى السؤال الذي أثار انتباهي وأثار في نفسي الكثير من التساؤلات:

أين هم منتخبو وجدة؟ وأين هم برلمانيوها تحديداً؟

إذا كان السيد الوالي، مشكوراً، وأجهزة الدولة يضطلعون بأدوارهم في إطار اختصاصاتهم، وإذا كانت هناك مبادرات لإعادة الاعتبار للذاكرة والتراث المحلي، فأين الحضور السياسي والتمثيلي الموازي؟ وأين المبادرة البرلمانية التي يفترض أن تجعل من قضايا المدينة جزءاً من النقاش الوطني حول السياسات العمومية؟

إن البرلماني ليس مجرد شخص يحمل تفويضاً انتخابياً، ولا مجرد صوت يصعد إلى المنصة لتوجيه سؤال أو التدخل في جلسة عمومية. إنه، في جوهر مهمته، ممثل ترابي أيضاً، يفترض أن يكون على معرفة دقيقة بالمجال الذي يمثله، بتاريخه وخصوصياته ومؤهلاته ومشاكله، حتى يستطيع أن ينقل انشغالاته إلى المؤسسة التشريعية، وأن يؤثر في السياسات العمومية، وأن يدافع عن مصالحه في مختلف المحافل.

كيف يمكن لبرلماني أن يترافع عن البلوزة الوجدية في غياب معرفة بتاريخها ورمزيتها، أو أن يدافع عن الموسيقى والأهازيج المحلية دون أن يكون على دراية بهذا الموروث؟ وكيف يمكنه أن يثير معاناة الحرفيين، ويقترح حلولاً لإنقاذ الحرف المهددة بالاندثار، إذا لم ينصت إلى المهنيين ويعرف واقعهم وإكراهاتهم؟

وكيف يمكنه أن يدافع عن العدالة المجالية، ويطالب باستثمارات منتجة لوجدة، إذا لم يكن ملماً بأحيائها ومؤهلاتها العقارية والاقتصادية، وبما تزخر به من طاقات بشرية وثقافية؟ وكيف يقنع المستثمرين بجدوى الاستثمار في المدينة إذا لم يكن قادراً على تقديم تصور متكامل عن إمكاناتها؟

بل إن الأمر يتجاوز وجدة إلى باقي أقاليم الجهة الشرقية. فجرادة، التي ارتبط اسمها تاريخياً بالمناجم وبالذاكرة العمالية، تحتاج اليوم إلى تصورات جديدة لتنويع اقتصادها، ومن بينها التفكير في مؤهلاتها لتكون قطباً للطاقة المتجددة. وهذا يتطلب معرفة بالمجال، واستشرافاً للمستقبل، وترافعاً لدى الحكومة والقطاعات المعنية، وليس مجرد ترديد لشعارات التنمية.

ولا أعتقد أن السكن خارج المدينة، سواء بالرباط أو مراكش أو غيرهما، يشكل في حد ذاته حكماً على أداء البرلماني؛ فالمعيار ليس عنوان الإقامة، وإنما مدى الارتباط الفعلي الواقعي الوجداني بالمجال، والحضور بين ساكنته، والإلمام بقضاياه، والقدرة على الدفاع عنها.

لكن حين يصبح التمثيل مجرد صفة انتخابية، او سقوط بالمظلة وحين تغيب المبادرة ولا نلمس أثراً ملموساً للانشغال بقضايا المدينة وذاكرتها ومهنييها ومستقبلها، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل عن مضمون هذه التمثيلية وعن جدواها.

إن وجدة لا تحتاج إلى برلمانيين يكتفون بتمثيلها اسمياً، او جبرا للخواطر بل إلى كفاءات تعرفها وتفهمها وتؤمن بمؤهلاتها، وتحمل قضاياها إلى البرلمان، وتستعمل أدوات الرقابة والتشريع والدبلوماسية البرلمانية لخدمة تنميتها.

ولا يتعلق الأمر بمنافسة الوالي أو أجهزة الدولة، ولا بإلقاء المسؤولية على طرف دون آخر، بل بتكامل الأدوار وتحمل كل مؤسسة لمسؤوليتها. فالتنمية الترابية لا تصنعها الإدارة وحدها، والتي ابانت عن علو كعبها كما لا تتحقق بالمهرجانات والاحتفالات وحدها، وإنما تحتاج إلى رؤية ومبادرة وترافع واستمرارية.

إن المدينة التي لا يعرف ممثلوها البرلمانيون ذاكرتها، ولا يدافعون عن موروثها، ولا يحملون انشغالات حرفييها وشبابها إلى المؤسسات، تفقد جزءاً من صوتها داخل فضاء صنع القرار.

وجدة ليست مدينة يتيمة، لكن من المؤسف أن تبدو أحياناً وكأنها كذلك، حين تغيب عنها المرافعة السياسية التي تستحقها.

لسنا في حاجة إلى مزيد من الصور التذكارية، بل إلى حضور حقيقي، ولسنا في حاجة إلى خطابات عن حب المدينة، بل إلى مبادرات تقاس بنتائجها

وتفعل على ارض الواقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *