مِنَ “اللَّايْفِ” الْمُفَبْرَكِ لِمُؤَثِّرِينَ جَزَائِرِيِّينَ وَسَرِقَةٍ وَهْمِيَّةٍ فِي نُوَاكْشُوطَ إِلَى مَحَاكِمِ بَارِيسَ وَالرِّبَاطِ.. كَيْفَ يَرْهَنُ “صَيَّادُو التِّرِينْدِ” سُمْعَةَ الْأَوْطَانِ وَمُسْتَقْبَلَ الْجَالِيَاتِ؟

مِنَ “اللَّايْفِ” الْمُفَبْرَكِ لِمُؤَثِّرِينَ جَزَائِرِيِّينَ وَسَرِقَةٍ وَهْمِيَّةٍ فِي نُوَاكْشُوطَ إِلَى مَحَاكِمِ بَارِيسَ وَالرِّبَاطِ.. كَيْفَ يَرْهَنُ “صَيَّادُو التِّرِينْدِ” سُمْعَةَ الْأَوْطَانِ وَمُسْتَقْبَلَ الْجَالِيَاتِ؟

عبدالقادر كتـــرة

لم يعد البحث عن الشهرة الرقمية مجرد سلوك فردي عابر ينتهي بإغلاق شاشة الهاتف، بل تحول لدى فئة من صناع المحتوى إلى ممارسات تمس الأمن القومي السياحي للدول المضيفة، وتلقي بظلال ثقيلة على سمعة الجاليات وحرية تنقل المسافرين. حادثة البث المباشر المفبرك في العاصمة الموريتانية نواكشوط لم تكن سوى الحلقة الأحدث في سلسلة تجاوزات امتدت من ملاعب شمال إفريقيا إلى شوارع أوروبا.

من الفندق إلى الزنزانة.. كواليس “السرقة الوهمية” في نواكشوط

في مشهد بدا في لحظاته الأولى وكأنه استغاثة حقيقية، ظهر الرحالة وصانع المحتوى الجزائري “أيوب سباق” في بث مباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، زاعماً تعرضه لعملية سطو وسرقة طالت حقيبته وجواز سفره في شوارع العاصمة الموريتانية نواكشوط، مستحضراً تجربة سرقة سابقة ادعى تعرضه لها في كينيا لاستدرار أقصى درجات التعاطف الرقمي.

غير أن الرياح جرت بما لا تشتهيه خوارزميات “التريند”؛ إذ أشعل المقطع موجة غضب عارمة في الأوساط الشعبية والإعلامية الموريتانية التي رأت في الرواية تشويهاً متعمداً لسمعة بلد يُعرف تقليدياً بكرم الضيافة وحسن وفادة الأجانب. ومع دخول المكتب الوطني لمكافحة الجريمة السيبرانية على خط التحقيق، تهاوت فصول المسرحية سريعاً.

كشفت التحريات التقنية والميدانية أن حادثة السرقة لم تكن سوى سيناريو تمثيلي متفق عليه مسبقاً بين الرحالة الجزائري وثلاثة مواطنين موريتانيين ظهروا مقنّعين في الفيديو.

والأدهى من ذلك أن البث المباشر الثاني — الذي ادعى فيه الرحالة استعادة وثائقه من أمام مركز للشرطة — لم يُصوّر في أي مرفق أمني، بل داخل غرف أحد فنادق العاصمة. لتنتهي المغامرة الوهمية بتوقيف المتورطين الأربعة، وإقرارهم الكامل بفبركة الواقعة لحصد المشاهدات، وتقديم اعتذار علني قبل إحالة الملف إلى القضاء الموريتاني بتهم نشر أخبار كاذبة وتضليل الرأي العام والإساءة لسمعة البلاد.

سجل التجاوزات: ظاهرة عابرة للحدود

لا يمكن قراءة واقعة نواكشوط بمعزل عن سياق أوسع بات يؤرق المتابعين والسلطات على حد سواء؛ إذ برزت خلال الأشهر الماضية حوادث موثقة لأفراد من صناع المحتوى الجزائريين الذين نقلوا ثقافة “الإثارة بأي ثمن” إلى خارج الحدود، متسببين في أزمات قانونية ودبلوماسية مجانية:

1- في المغرب (أبريل 2026): لم يمضِ وقت طويل على إدانة القضاء المغربي لصانع المحتوى والمشجع الجزائري “رؤوف بلقاسمي” بالحبس النافذ لثلاثة أشهر وغرامة مالية، عقب نشره مقطع فيديو على هامش بطولة كأس أمم إفريقيا، زعم فيه التبول وسط مدرجات ملعب “مولاي الحسن” بالرباط.

ورغم تذرعه أمام المحكمة بأن الأمر كان “مجرد دعابة وسكبٍ للماء لكسب التفاعل”، فإن القضاء تعامل مع الفعل كإخلال صريح بالآداب العامة وإفساد لمرفق عمومي.

2- في فرنسا وأوروبا (مطلع 2025): اتخذت الظاهرة منحى أكثر خطورة حين تحولت منصات مثل “تيك توك” إلى منابر للتحريض المباشر. فقد شنت السلطات الأمنية الفرنسية حملة توقيفات في مدن بريست وغرونوبل ومونبلييه طالت عدداً من المؤثرين الجزائريين (من بينهم الملقبون بـ “زازو يوسف” و”عماد تانتان”)، بعد بثهم مقاطع تحرض صراحة على العنف والاعتداء الجسدي داخل الأراضي الفرنسية، مما أفضى إلى محاكمات عاجلة بتهم التحريض على الإرهاب والعنف، وصدور أحكام بالسجن وقرارات ترحيل إداري.

3- في الداخل الجزائري: يدرك الشارع الجزائري نفسه خطورة هذه الفئة؛ إذ لم تتردد السلطات القضائية والأمنية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة في توقيف ومحاكمة عشرات المؤثرين المحليين المتورطين في قضايا نشر محتوى مخل بالحياء، أو التضليل، أو النصب والاحتيال على الطلبة، استجابةً لموجات غضب شعبية رفعت شعار “لا تجعلوا الحمقى مشاهير”.

“اقتصاد الغضب”.. لماذا يلجأ المدونون إلى صناعة الأزمات؟

يطرح هذا السلوك المتكرر سؤالاً جوهرياً: لماذا يخاطر رحالة أو مدون بحريته وسمعة بلده من أجل مقطع فيديو مدته دقائق؟

تكمن الإجابة في بنية منصات التواصل الاجتماعي نفسها، أو ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه”. يدرك صانع المحتوى المبتدئ أو الباحث عن الربح السريع أن توثيق المعالم التاريخية أو الطبيعة الخلابة يحقق نمواً بطيئاً وتفاعلاً محدوداً. في المقابل، تعمل خوارزميات المنصات على مكافأة المقاطع التي تثير المشاعر الحادة: الخوف، الصدمة، التعاطف الإنساني، أو النعرات الوطنية.

حين يزعم مدون أنه تعرض للسرقة في بلد عربي، أو يتعمد إهانة مرفق عام في دولة مجاورة، فإنه يضمن اشتعال قسم التعليقات بين مدافع ومهاجم، مما يرفع مؤشرات الوصول إلى ملايين المشاهدات في ساعات قليلة، ويترجم ذلك مباشرة إلى متابعين جدد وعوائد مالية، متناسياً أن الخيط الفاصل بين “صناعة المحتوى” و”الجريمة الجنائية” قد تلاشى تماماً في التشريعات الحديثة.

من يدفع الفاتورة؟ التداعيات على مستقبل المسافرين والجاليات

إن الخطيئة الكبرى التي يرتكبها هؤلاء المؤثرون لا تقتصر على وضع أنفسهم تحت طائلة القانون، بل تمتد لتصيب ملايين الجزائريين الملتزمين من كفاءات، وطلبة، وتجار، وسياح حقيقيين يدفعون ثمن هذه الرعونة الرقمية على ثلاثة مستويات رئيسية:

– في الفضاء الأوروبي (تسييس الأخطاء الفردية): منحت مقاطع “التيك توك” التحريضية في فرنسا هدية مجانية لأحزاب اليمين واليمين المتطرف، التي وظفت هذه الحالات الفردية لتعميم صورة نمطية سلبية عن المهاجرين، واستخدمتها كذريعة للضغط باتجاه تقليص حصص التأشيرات (الفيزا)، وتشديد شروط الإقامة، وتسهيل إجراءات الطرد الإداري، وهو ما يمس بشكل مباشر الطلبة والمهنيين الباحثين عن فرص مشروعة.

– في العمق العربي والإفريقي (تسميم العلاقات الشعبية): تأتي حادثة نواكشوط في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية الموريتانية ديناميكية اقتصادية غير مسبوقة، تتجسد في مشاريع الربط البري، والمنطقة الحرة، وتدفق البضائع والمستثمرين. غير أن قيام مدون بتصوير العاصمة الموريتانية كبؤرة لانعدام الأمن يخلق حساسية شعبية وأمنية لا مبرر لها، ويدفع السلطات في الدول العربية والإفريقية إلى التعامل بريبة وتشدد أمني وإجرائي مع كل مسافر يحمل كاميرا أو يدخل عبر المعابر الحدودية.

• تقييد السياحة التدوينية الجادة: بسبب هذه الممارسات، بات الرحالة المحترف الذي يسعى بصدق لنقل ثقافات الشعوب يواجه جداراً من الشكوك؛ إذ لم تعد المجتمعات المضيفة ترى في كاميرا اليوتيوبر أداة للترويج السياحي، بل باتت تخشى أن تكون أداة لاصطياد الهفوات أو فبركة الأزمات بحثاً عن “التريند”.

كلمة أخيرة: الوعي الرقمي كخط دفاع أول

لقد أثبتت يقظة الأمن الموريتاني في قضية نواكشوط، ومن قبلها الأحكام القضائية في الرباط وباريس والجزائر العاصمة، أن عصر الفوضى الرقمية والإفلات من العقاب خلف الشاشات قد ولى، وأن الجريمة السيبرانية باتت تواجه بصرامة توازي الجرائم التقليدية.

غير أن المعالجة القانونية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بوعي جمعي لدى الجمهور؛ فالمشاهد الذي يمنح هذا النوع من المحتوى تفاعلاً ومشاركة هو الشريك غير المباشر في صناعته. إن حماية سمعة الأوطان وصون كرامة المسافرين يبدآن من مقاطعة “تجار الأزمات”، وتجفيف منابع الشهرة الزائفة التي تُبنى على أنقاض الحقيقة والعلاقات الأخوية بين الشعوب.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *