كتاب “المصلحة الفضلى للطفل” تـُضيء القافلة الأدبية لمعرض آداب مغاربية بوجدة
كتاب ليس مجرد إضافة للرفوف، بل هو مرافعة قانونية وإنسانية بأن مستقبل العدالة يُقاس بمدى قدرتنا على حماية الفئة الأكثر هشاشة.. أطفالنا.
عبد الرحيم باريج
احتضنت القافلة الأدبية في لحظة فكرية فارقة، ضمن فعاليات الدورة السادسة للمعرض المغاربي للكتاب “آداب مغاربية” بوجدة لقاءً ثقافياً وفكرياً متميزاً خُصص لتقديم وتوقيع كتاب “المصلحة الفضلى للطفل بين التشريع والتطبيق، في ضوء القانون الدولي الخاص والقانون الوطني المغربي” للأستاذ الباحث خالد خراجي.
لم يكن اللقاء مجرد حفل توقيع عابر في رزنامة معرض للكتاب، بل كان جلسة مساءلة قانونية وإنسانية عميقة لمفهوم ظل لعقود حبيس النصوص، مصلحة الطفل الفضلى.
حين يتحول القانون من نص إلى مصير
أطرت هذا اللقاء باقتدار علمي مشهود، الدكتورة أمينة الفاطمي، الأستاذة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول بوجدة، التي قادت النقاش من منطقة الراحة الأكاديمية إلى منطقة الإشتباك الحقيقي بين النظرية والممارسة القضائية.
لم تقدم الدكتورة الفاطمي، بمنهجيتها التحليلية الرصينة، الكتاب كمنجز تأليفي فحسب، بل فككته كمشروع فكري يطرح سؤالاً جوهرياً، كيف نترجم مبدأ “المصلحة الفضلى” الذي كرسته اتفاقية حقوق الطفل والمواثيق الدولية، إلى قرار قضائي عادل في قاعة المحكمة، في قضايا الحضانة والنفقة والنسب والهجرة وتسليم الأطفال في النزاعات العابرة للحدود؟
وأبرزت في مداخلتها أن قوة مؤلف ذ.خراجي تكمن في أنه لم يكتف بالمقارنة النصية بين القانون الدولي الخاص والقانون الوطني المغربي، بل غاص في الإجتهاد القضائي المغربي والدولي، ليكشف المسافة، أحياناً، بين سمو المبدأ وارتباك التطبيق.
كتاب يولد من رحم الممارسة
قدم المؤلف، ذ.خالد خراجي، ابن الميدان القانوني والممارسة القضائية، عملاً يقع في قلب الحاجة المجتمعية الراهنة. ولا يخاطب الكتاب الطلبة والباحثين فقط، بل يخاطب القاضي والمحامي والعدل والمسؤول الإجتماعي، وكل من يتعامل مع الطفل كذات حقوقية وليس كموضوع نزاع بين الكبار.
يأتي هذا الإصدار في سياق وطني ودولي يشهد تنامي النزاعات الأسرية العابرة للحدود، وتزايد قضايا زواج مختلط، وحضانة دولية، وكفالة، وهو ما يجعل القانون الدولي الخاص في تماس مباشر مع الحياة اليومية للأسر المغربية. ويتقاطع هنا بالضبط الكتاب مع رسالة المعرض “لنبدع عالماً مشتركاً”، لأن حماية الطفل هي اللبنة الأولى لعالم مشترك أكثر عدالة.
يعكس الحضور الوازن ثقل اللحظة، وما أعطى للقاء ثقلاً خاصاً هو الحضور النوعي الذي حج إلى قاعة القافلة الأدبية وفي مقدمتهم ذ.علي أحنين نائب رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة رفقة ثلة من الأساتذة الجامعيين من جامعة محمد الأول، وقضاة ومحامون، ونخبة من المثقفين والإعلاميين والطلبة الباحثين.
وتحولت تدخلات الحضور إلى مائدة مستديرة مصغرة، ناقشت إشكالات دقيقة، (هل القاضي المغربي اليوم مجهز تأويلياً لتقدير المصلحة الفضلى بمعزل عن الإعتبارات التقليدية؟ كيف نتعامل مع تنازع القوانين في قضايا الأطفال؟ وأين يقف الإجتهاد المغربي من اتفاقية لاهاي المتعلقة بالجوانب المدنية للإختطاف الدولي للأطفال؟).
وأجمع المتدخلون على أن كتاب ذ.خراجي يشكل إضافة نوعية للمكتبة القانونية المغربية، لسد فراغ ظل طويلاً في تقاطع حساس بين القانون الدولي الخاص وقانون الأسرة وحقوق الطفل، بلغة أكاديمية رصينة لا تتخلى عن وضوح الممارس.
واختتم اللقاء، الذي أدير بروح حوارية راقية، بحفل توقيع شهد إقبالاً لافتاً، في مشهد يؤكد أن القافلة الأدبية في هذه الدورة السادسة نجحت في رهانها، أن تمنح الكتاب الجهوي والمؤلف الأكاديمي الجاد المنصة التي يستحق، وأن تجعل من المعرض ليس فقط سوقاً للكتاب، بل مختبراً للأفكار التي تهم المجتمع.

