جَرِيمَةٌ تَهُزُّ عَرْشَ الإِنْسَانِيَّةِ…خَطْفُ الرُّضَّعِ مِنْ غُرَفِ الوِلَادَةِ فِي مُسْتَشْفًى بِالجَزَائِرِ: فَضِيحَةُ “الأَطْفَالِ المَفْقُودِينَ”… صَرْخَةُ أُمُومَةٍ تَسْتَنْطِقُ العَدَالَةَ لِكَشْفِ خُيُوطِ الِاتِّجَارِ بِالبَشَرِ
عبدالقادر كتـــرة
“مستشفى تلمسان، اشرحوا لنا!”.. لم تكن هذه العبارة التي تصدرت منصات التواصل الاجتماعي مجرد عنوان لمقطع فيديو عابر، بل تحولت في غضون ساعات إلى صرخة مدوية هزت الضمير الجمعي الجزائري، وأعادت إلى الواجهة واحداً من أخطر الملفات المسكوت عنها: ملف “الأطفال الرضع المفقودين” أو المشكوك في مصيرهم داخل بعض مصالح التوليد والأمومة.
حين تدخل أمٌّ في لحظات المخاض العسيرة إلى مرفق صحي عمومي، فإنها تضع روحها وفلذة كبدها أمانةً بين أيدي ملائكة الرحمة، وفي عهدة مؤسسة تحميها الدولة. لكن أن تخرج هذه الأم بقلب مفطور، وأسئلة معلقة حول مصير جنين أثبتت الفحوصات السابقة وجوده، أو رضيع قيل لها إنه وُلد ميتاً دون أثر واضح أو إجراءات شفافة، فإننا نكون أمام فاجعة إنسانية وأخلاقية تستوجب دق ناقوس الخطر، وكسر جدار الصمت الإداري.
وقائع تدعو للشك.. وصمت يغذي الفاجعة
إن تداول أنباء وشهادات حول اختفاء رضع أو وجود تناقضات صارخة بين ملفات متابعة الحمل ومخرجات غرف الولادة في مستشفى تلمسان يضعنا أمام وقائع خطيرة لا يمكن طيّها ببيانات إدارية باردة.
إن غياب التوضيح الرسمي الفوري والشفاف يترك العائلات المكلومة فريسةً للهواجس، ويفتح الباب على مصراعيه أمام أخطر السيناريوهات الجنائية التي عرفتها المحاكم في قضايا مشابهة.
فهل نحن أمام شبكات منظمة لاختطاف الرضع وبيعهم لأسر حُرمت من الإنجاب، مستغلةً مأساة العقم من جهة، وهشاشة الرقابة في بعض أجنحة التوليد من جهة أخرى؟ أم أن الأمر يتعدى ذلك إلى عصابات الاتجار بالبشر وتجارة الأعضاء التي لا تتورع عن تحويل أجساد الملائكة الصغار إلى سلعة في سوق سوداء مجردة من كل ذرة إنسانية؟
سواء تعلق الأمر بتواطؤ داخلي لسرقة المواليد وتزوير نسبهم مقابل مبالغ مالية طائلة، أو تعلق بإهمال طبي وإداري جسيم في تحديد مصير المواليد المتوفين، فإن النتيجة واحدة: أمٌّ ثكلى تعيش جحيماً يومياً، ومجتمعٌ يفقد ثقته تدريجياً في أقدس المرافق العمومية.
جريمة تلعنها السماء وتجرمها شرائع الأرض
إن المساس بطفل رضيع في لحظاته الأولى في الحياة، وانتزاعه من حضن أمه غدراً وتدليساً، هو فعل إجرامي شنيع تدينه كافة الشرائع السماوية والقوانين الوضعية دون استثناء.
في ميزان الشريعة الإسلامية، يُعد خطف المولود أو استبداله أو بيعه اعتداءً صارخاً على “حفظ النسل” و”حفظ النفس” اللذين يمثلان جوهر مقاصد الشريعة، وهو جرم عظيم يجمع بين الغدر، وقطيعة الرحم، وتزوير الأنساب الذي حذرت منه النصوص القطعية أشد تحذير، فضلاً عن كونه ضرباً من ضروب الإفساد في الأرض.
أما في ميزان القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، فإن القانون الجزائري —وعلى رأسه قانون العقوبات وقانون الوقاية من الاتجار بالبشر ومكافحته، فضلاً عن قانون حماية الطفل— يُصنف اختطاف الأطفال حديثي الولادة أو بيعهم أو التوسط في إخفائهم ضمن الجنايات الكبرى التي تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد وأقصى العقوبات الردعية.
كما تصنفها اتفاقيات الأمم المتحدة لحقوق الطفل كجريمة ضد الإنسانية تنتهك الحق الأصيل للطفل في الحياة، والهوية، والاسم، والرعاية الأسرية.
ضرورة التحقيق القضائي: الحقيقة فوق كل اعتبار
إن نداء “اشرحوا لنا” الذي رفعه المواطنون ورواد الفضاء الرقمي ليس ترفاً إعلامياً، بل هو حق دستوري وقانوني أصيل.
وإن استعادة هيبة المرفق الصحي وإنصاف العائلات المتضررة في تلمسان وغيرها من الولايات، يفرضان تحركاً عاجلاً وحاسماً من النيابة العامة والجهات الرقابية بوزارة الصحة، يرتكز على خطوات عملية لا تقبل المساومة:
1- فتح تحقيق قضائي وأمني مستقل ومعمق: يشمل التحفظ الفوري على سجلات الدخول والخروج، ودفاتر غرف العمليات، ومراجعة كاميرات المراقبة، والاستماع إلى كافة الأطقم المناوبة وأعوان الأمن في الفترات الزمنية محل الشبهة.
2- تفعيل الخبرة الطبية الشرعية وفحوصات الحمض النووي (DNA): لحسم أي نزاع حول هوية المواليد أو الجثث المودعة في مصالح حفظ الجثث، ومطابقة تقارير “الإيكوغرافيا” (السونار) السابقة للولادة مع التقارير الجراحية لكشف أي تلاعب محتمل.
3- الضرب بيد من حديد على أيدي السماسرة والمتواطئين: إذا ما ثبت وجود أي خيط يقود إلى شبكة لبيع الرضع أو المتاجرة بهم، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي فضح المتورطين —مهما كانت صفاتهم أو مواقعهم— وتقديمهم للعدالة في محاكمات علنية تكون عبرة لكل من تسول له نفسه المتاجرة بآلام الأمهات.
4- ثورة أمنية ورقمية داخل مصالح الأمومة: لم يعد مقبولاً في جزائر اليوم أن تظل أجنحة التوليد مفتوحة أمام الغرباء أو مسيرة بطرق تقليدية؛ بل يجب تعميم نظام “الأساور الإلكترونية الذكية” المرتبطة بالأم والرضيع فور قطع الحبل السري، وتشديد الرقابة البيومترية على مداخل ومخارج أقسام حديثي الولادة.
إن أطفال الجزائر ليسوا أرقاماً قابلة للشطب في سجلات مهترئة، وأرحام الأمهات ليست مزارع لسماسرة البشر.
إن حماية الرضع داخل المستشفيات هي خط أحمر يرتبط بالأمن القومي والصحي للبلاد، وإن كشف الحقيقة كاملة في قضية “مستشفى تلمسان” هو السبيل الوحيد لتضميد جراح الأمهات، وتطهير قطاع الصحة من الشوائب، وحماية شرف المهنة النبيلة وأطبائها الشرفاء من لوثة الشك والاتهام.
فيديو للمشاهدة

