إِفْلَاسُ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ: حِينَ تَسْتَبْدِلُ وِكَالَاتُ الْأَنْبَاءِ الرَّسْمِيَّةُ لُغَةَ السِّيَاسَةِ بِشَتَائِمِ “الْبُرُوبَاغَانْدَا”… صَدَمَاتُ مَجْلِسِ الْأَمْنِ تُفْقِدُ الْجَزَائِرَ أَعْصَابَهَا فِي الْمَحَافِلِ الدَّوْلِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
– دبلوماسية البلاغة الهابطة: حين تحولت وكالة الأنباء الجزائرية إلى منبر للشتائم وتنحية العقل
– منطاد الأزمات واختلاق الوهم: كيف تفقد الجزائر بوصلة الخطاب الرسمي؟
– عندما يُعوض السباب رصيد التاريخ في لغة البيانات الرسمية للجارة الشرقية
– أجهزة بلا بصيرة: سقوط الخطاب المؤسساتي في مستنقع “البروباغندا” الشعبوية
الدبلوماسية بين بصيرة الكبار وتخبط الصغار
في أبجديات العلاقات الدولية، تُدار الأزمات وصراعات المصالح بلغة رصينة، وعبارات منمقة، ومقاربات استراتيجية تحترم أعراف الدبلوماسية حتى في أشد حالات الخلاف.
غير أن المشهد الإقليمي المغاربي يقدم لنا نموذجاً شاذاً ومؤسفاً يتمثل في الخطاب الرسمي للجزائر، لا سيما عبر “وكالة الأنباء الرسمية” التي فقدت كل بوصلة أخلاقية ودبلوماسية، لتتحول إلى منبر رخيص لتوزيع الشتائم والعبارات الساقطة التي لا ترقى حتى لمستوى لغة الشارع، فما بالك بأن تمثل لسان حال دولة يُفترض أن لها مقعداً في المنظومة الدولية.
الصدمة الدبلوماسية في مجلس الأمن: العجز عن هضم الواقع
إن التتبع الدقيق لتوقيت هذه البيانات الهستيرية يكشف بوضوح عن مصدر الذعر. فالدبلوماسية الجزائرية، التي سخرت مقدرات شعبها لتعطيل مسار التسوية العادلة لقضية الصحراء المغربية، تلتقط تباعاً صفعات متتالية في مجلس الأمن الدولي والمحافل الأممية. وحين تسقط كل أوراقهم وتتحطم مناوراتهم أمام صلابة الموقف المغربي والشرعية الدولية، لا يجد صانع القرار في قصر مرادية سوى اللجوء إلى سلاح المفلسين: الهروب نحو “البروباغندا” الاستباقية.
عوض تقديم مراجعة دبلوماسية شجاعة تفسر للشعب الجزائري أسباب هذا الفشل الذريع والإخفاق المدوّي في كسب التأكد الدولي لمقترحاتهم البائدة، تختار الآلة الإعلامية الرسمية اختلاق أوهام “المسرحيات” ومهاجمة سيادة الدول ومؤسساتها العريقة في محاولة بائسة لذر الرماد في الأعين وتنويم الرأي العام المحلي.
سقوط قواعد اللياقة: عندما تفقد الدولة هيبة الخطاب
إن الخطاب الدبلوماسي الحقيقي يُقاس بمدى قدرته على بناء الجسور، أو على الأقل الحفاظ على الحد الأدنى من الاحترام المتبادل. غير أن ما تنشره وكالة الأنباء الجزائرية يعكس بوضوح تام حالة من التآكل الكلي في الكفاءة الدبلوماسية.
فأن تخرج مؤسسة إعلامية محسوبة على دولة لتصف قرارات برلمان دولة جارة بـ “الهزلية” أو تستهدف رموزها السيادية بلغة الإسفاف، فهذا لا يدل إلا على أزمة وجودية عميقة يعاني منها النظام الجزائري الذي بات عاجزاً عن تسويق روايته أمام المجتمع الدولي، فلجأ إلى التنفيس عن عقده الإقليمية عبر نصوص صحفية أقل ما يقال عنها أنها تعبر عن إفلاس سياسي تام وانحطاط سلوكي غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين الدول.
المقارنة الحتمية: ثبات الموقف مقابل هيستيريا العزلة
على النقيض تماماً من هذا التخبط الدبلوماسي الممنهج، يثبت المغرب يوماً بعد يوم أنه يتعاطى مع قضاياه الوطنية والإقليمية بمنطق الدولة المترسخة، ذات النفس الطويل والشرعية التاريخية الثابتة.
فالمملكة لا تلتفت إلى صراخ الأبواق وصفارات الإنذار الوهمية التي تطلقها الجارة الشرقية، بل تمضي قدماً في تعزيز شراكاتها الدولية الاستراتيجية، وتكريس اعتراف قوى العالم الكبرى بمغربية الصحراء وبسيادتها على أقاليمها الجنوبية، وتثبيت حضورها كفاعل إقليمي موثوق يحسب له ألف حساب. بينما تبقى الدبلوماسية الجزائرية رهينة لعقدة العداء الكلاسيكي، تدور في حلقة مفرغة من العزلة، وتستنزف مقدرات دبلوماسية في معارك وهمية خاسرة سلفاً.
خاتمة: حين تصمت الدبلوماسية العاقلة وترتفع أصوات المفلسين
إن التاريخ الدبلوماسي لا يرحم من يفرطون في الحكمة ويستبدلون لغة الحوار بمفردات الشارع.
ولعل الدرس الأهم الذي يجب أن تدركه الدوائر الحاكمة في الجزائر اليوم هو أن الأزمات لا تُحل بالسب والتشكيك، وأن هيبة الدول تُستمد من احترام الجسور لا من حرقها.
أما المغرب، فسيبقى كعادته شامخاً بثوابته، مترفعاً عن النزول إلى مستنقعات الخطاب الهابط، واضعاً نصب عيناه مستقبلاً مغاربياً مشتركاً يعجز عن استيعابه أصحاب العقول الصغيرة والأقلام المأجورة.
ونختم هذا المقال بتدوينة الكاتب والمحلل المعارض الجزائري الأستاذ أنور مالك:” أجزم يقيناً أن شاباً ناشطاً على شبكات التواصل الاجتماعي، يمتلك قدراً بسيطاً من الوعي والمسؤولية، سيخجل من نشر هذه الزبالة الإعلامية التي تجرأت على نشرها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، وفي أي يوم؟ في الأول من نوفمبر، بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة!
أقسم بالله، ما تصورت يوماً أن يصل حال الجزائر إلى هذا القاع، وأن تبلغ الرداءة الإعلامية مستوى من الانحطاط والابتذال لا يتشرف به أي جزائري يحمل في قلبه ذرة من الغيرة على وطنه وشعبه.
والمأساة أن يحدث كل هذا في عصر أصبحت فيه وسائل الإعلام واجهة الدول ومرآة مؤسساتها، بينما تتحول وكالة أنباء رسمية إلى عنوان لهذا البؤس الإعلامي!
أسفاه عليك يا جزائر!
ما فعله بك تبون وشنقريحة يستحي ألدّ خصومك أن يفعل
وا بك ربعَه!
#انور_مالك”

