ثَرْوَاتُ الشَّعْبِ فِي مَهَبِّ أَوْهَامِ الْجِنِرَالَاتِ: عَقِيدَةُ الْعَسْكَرِ تُبَدِّدُ مُسْتَقْبَلَ الْجَزَائِرِ… مِنْ طَوَابِيرِ الْحَلِيبِ إِلَى صَفَقَاتِ السِّلَاحِ الْمِلْيَارِيَّةِ.. رِسَالَةُ وَاشِنْطُنَ الَّتِي عَرَّتْ أَوْلَوِيَّاتِ النِّظَامِ

ثَرْوَاتُ الشَّعْبِ فِي مَهَبِّ أَوْهَامِ الْجِنِرَالَاتِ: عَقِيدَةُ الْعَسْكَرِ تُبَدِّدُ مُسْتَقْبَلَ الْجَزَائِرِ… مِنْ طَوَابِيرِ الْحَلِيبِ إِلَى صَفَقَاتِ السِّلَاحِ الْمِلْيَارِيَّةِ.. رِسَالَةُ وَاشِنْطُنَ الَّتِي عَرَّتْ أَوْلَوِيَّاتِ النِّظَامِ

عبدالقادر كتـــرة

قلّما تختزل عبارة سياسية واحدة مأساة شعب بأكمله كما فعلت الكلمات التي أطلقها النائب في الكونغرس الأمريكي، جو ويلسون، حين وجّه رسالة ضمنية بالغة الصدق والإيلام إلى الشعب الجزائري، مؤكداً أن “الجزائر تمتلك كل المقومات لتحقيق مستقبل أفضل ومزدهر لجميع مواطنيها، لو أن قادتها اختاروا التوجه نحو البناء والازدهار بدلاً من الاستمرار في دعم الإرهاب وخدمة الأجندات التخريبية”.

لم تكن هذه الكلمات مجرد تعليق دبلوماسي عابر في أروقة واشنطن عقب جلسة مجلس الأمن الدولي حول الصحراء المغربية في أواخر أكتوبر 2026، بل جاءت بمثابة تشخيص جراحي دقيق لمعضلة الدولة الجزائرية المعاصرة؛ دولةٌ حباها الله بجغرافيا قارية وثروات نفطية وغازية ومنجمية هائلة تكفي لتحويلها إلى إحدى أكثر دول المتوسط رفاهية، لكنها تقبع اليوم في قاع المؤشرات التنموية، منهكةً باقتصاد ريعي منهار، وعزلة دولية خانقة، وشعب يكتوي يومياً بنيران الغلاء والندرة وانسداد الأفق.

رسالة واشنطن: حين يفرّق العالم بين الشعب والجنرالات

إن القراءة المتأنية في موقف المشرّع الأمريكي تكشف تحولاً جوهرياً في نظرة العواصم الكبرى إلى الجزائر.

فالعالم بات يدرك بوضوح أن الأزمة في الجزائر ليست أزمة موارد شحيحة أو ظروف طبيعية قاسية، بل هي أزمة مصادرة للقرار الوطني من قِبل طغمة عسكرية حكمت البلاد لعقود بعقلية الحرب الباردة، وربطت بقاءها في السلطة بصناعة “العدو الخارجي” وتمويل الفوضى الإقليمية.

حين يطالب الكونغرس بتصنيف جبهة “البوليساريو” منظمة إرهابية أجنبية، ويلوّح بفرض عقوبات أمريكية صارمة على الجزائر بموجب قانون “كاتسا” (CAATSA) نتيجة تكديسها للأسلحة الروسية وارتهانها لمحور موسكو وطهران، فإنه يضع خطاً فاصلاً بين الشعب الجزائري المغلوب على أمره، وبين قيادة اختارت تحويل البلاد إلى منصة لخدمة أجندات زعزعة الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، على حساب قوت الجزائريين ومستقبل أبنائهم.

نزيف المليارات: السلاح والأوهام أولاً.. والمواطن أخيراً

لفهم حجم الكارثة التي ألمّت بالاقتصاد الجزائري، يكفي إلقاء نظرة سريعة على لغة الأرقام التي لا تكذب. ففي الوقت الذي تئنّ فيه المستشفيات الجزائرية تحت وطأة نقص التجهيزات والأدوية، وتكتظ فيه الجامعات بآلاف الخريجين العاطلين عن العمل، خصص النظام الجزائري في ميزانية عام 2026 مبلغاً فلكياً لقطاع الدفاع ناهز 25 مليار دولار، أي ما يقارب خُمس الميزانية العامة للدولة، مع استمرار هذا النزيف غير المسبوق في مشروع ميزانية 2027.

إن ميزانية التسلح في الجزائر اليوم تفوق ما يُنفق على قطاعات الصحة، والتعليم العالي، والبحث العلمي، والتشغيل مجتمعةً.

ولا يتوقف النزيف عند تكديس دبابات ومقاتلات تصدأ في المخازن، بل يمتد إلى الفاتورة السرية والمعلنة لتمويل وتسليح جبهة انفصالية فوق تراب تندوف على مدار خمسين عاماً، وشراء الذمم والمواقف الدبلوماسية في القارة الإفريقية وخارجها، وشطب ديون دول أخرى، في حين يُطالب المواطن الجزائري بالتقشف والصبر تحت شعارات “السيادة” الجوفاء.

يوميات التفقير: بلد الغاز في طوابير الندرة

إن النتيجة الحتمية لإخضاع الاقتصاد لمنطق الثكنة هي هذا الانهيار المعيشي الذي يشهده الشارع الجزائري اليوم.

فالاقتصاد الذي فشل حكامه على مدار ستة عقود في فك ارتباطه بريع المحروقات، يسجل اليوم عجزاً مالياً قياسياً يتجاوز 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ما دفع السلطة إلى تغطية فشلها بطباعة الأوراق النقدية بدون رصيد إنتاجي، مطلقةً العنان لتضخم جامح التهم القدرة الشرائية للطبقتين الوسطى والفقيرة.

لقد تحولت حياة المواطن في “الجزائر الجديدة” التي يروّج لها الإعلام الرسمي إلى رحلة شقاء يومية؛ طوابير ممتدة منذ الفجر للحصول على كيس حليب أو سميد، انقطاعات متكررة للمياه الصالحة للشرب في مدن كبرى، شحّ في السيولة النقدية بمراكز البريد، وعملة وطنية (الدينار) تنزف قيمتها يومياً في السوق الموازية (“السكوار”)، حتى بات الأجر الشهري للموظف البسيط لا يكفي لتغطية الحاجيات الغذائية الأساسية لعائلته.

وأمام هذا الانسداد الشامل، لم يجد جيل كامل من الشباب الجزائري، بمن فيهم الأطباء والمهندسون وحملة الشهادات العليا، من مخرج سوى الهجرة الجماعية، أو ركوب “قوارب الموت” (الحرقة) نحو الضفة الأوروبية، في استفتاء يومي صامت يعلن يأس الجزائريين من نظام يبيعهم الأوهام الشوفينية بينما يصادر حقهم في حياة كريمة.

شبح العقوبات والعزلة: إلى أين يقود العسكر سفينة البلاد؟

الأخطر في المشهد الجزائري الراهن هو ما يحمله المستقبل القريب من تداعيات كارثية إذا ما استمر النظام في سياسة الهروب إلى الأمام. فالمضي في معاداة الجوار المغربي، وتوتير العلاقات مع دول الساحل، وقطع الشراكات الاقتصادية والتجارية مع دول عربية وأوروبية وازنة، جعل الجزائر جزيرة معزولة تفتقر إلى أدنى مقومات الجاذبية الاستثمارية.

ومع تصاعد التوجه داخل دوائر صنع القرار في واشنطن لتفعيل عقوبات قانون “كاتسا” ضد الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي والدعم اللوجستي للميليشيات المزعزعة للاستقرار، فإن الاقتصاد الجزائري يقف على حافة هاوية حقيقية. ففرض عقوبات مالية وتقنية على بلد يعتمد بنسبة تفوق 90% في عائداته من العملة الصعبة على تصدير النفط والغاز، سيعني شللاً تاماً لقدرته على استيراد الغذاء والدواء، وانهياراً شاملاً للمنظومة المالية التي تترنح أصلاً.

إن الحقيقة الساطعة التي لم يعد بإمكان آلة الدعاية الرسمية في الجزائر حجبها، هي أن الأمن القومي لأي دولة لا يُبنى بتمويل الحروب بالوكالة ولا بتكديس السلاح، بل يُبنى باقتصاد منتج، ومواطن حر ومُكرم، وعلاقات حسن جوار تقوم على التكامل والمصالح المشتركة. وإلى أن يدرك صناع القرار في قصر المرادية وثكنات بن عكنون هذه الحقيقة، ستظل ثروات الشعب الجزائري تُحرق في أتون أوهام الجنرالات، ويدفع المواطن البسيط وحده ثمن مغامرات لا ناقة له فيها ولا جمل.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *