بريق رغم الجرح في رسالة أمل ذ.سليمة فرجي 

بريق رغم الجرح في رسالة أمل ذ.سليمة فرجي 

وجدة مجروحة لكنها ليست مكسورة وصمودها هو بريقها، وتكتب لها ذ.سليمة فرجي كما تكتب الأم لابنتها، بعتاب المحبة وبذاكرة لا تنسى، وبإيمان أن النور يبقى حتى في الذاكرة المجروحة.

عبد الرحيم باريج

أدب الذاكرة المحلية

يعد كتاب الأستاذة سليمة فرجي، المحامية بهيئة وجدة ورافعة لواء وجدة/الشرق سابقا في البرلمان، والباحثة في التراث “وجدة وأنا: شظايا ذاكرة جريحة بين الظل، النور والصمود”، عملا توثيقيا أدبيا يندرج ضمن أدب الذاكرة المحلية، سيتم توقيعه في المعرض المغاربي للكتاب بوجدة غدا السبت 31 أكتوبر 2026. ويعالج الكتاب بمنهج يجمع بين الشهادة الشخصية والبحث التاريخي، قضايا الهوية الحدودية، الذاكرة الثقافية، ودور المجتمع المدني في الحفاظ على التراث المادي واللامادي لجهة الشرق.

وتعتبر المؤلفة أن الكتاب هو “رحلة في قلب الذاكرة والتراث والتاريخ الإنساني لمدينتنا العزيزة وجدة”، ومحاولة لتحويل الذاكرة من حنين إلى مسؤولية مواطنة.

 سيدة من ذاكرة وجدة وضميرها

ليست ذ.سليمة فرجي ليست اسماً عابراً في المشهد الوجدي. عُرفت وهي القامة القانونية المحامية بهيئة وجدة، بدفاعها عن قضايا المدينة وقيم العدالة. يصفها زملاؤها ومعارفها وكذا متابعوها على مواقع التواصل الإجتماعي، بأنها “قامة قانونية وأدبية ومن النادر أن تجد مثل هذا النموذج”.

تُقدم بصفتها باحثة في التراث الثقافي، أوراقا بحثية عن “التراث الثقافي رافعة للتنمية”، وتؤمن أن من يصنع التاريخ يكتبه، ومن لا يستطيع يكتفي بالنقد.

وتعتبر فاعلة سياسية ومدنية، برلمانية سابقة، خاضت تجربة انتخابية شرسة في 2021، وتحوّلت من السياسة إلى التأمل، ثم إلى الصمت العارف – لا يأسا، بل وعيا بأن شوارع وجدة أصدق من كثير من البرامج الإنتخابية. وهي عضوة مكتب سابقة وفاعلة في نادي المولودية الوجدية، حيث ينظر إليها كـ “امرأة من حديد سلاحها القلم” ودفاعها عن الهوية المحلية.

تكتب مقالات قانونية وفكرية، وتوثق بصدق نادر جراح مدينتها، هي كاتبة شاهدة. وحضورها في الصالون المغاربي للكتاب بوجدة يوم السبت 31 أكتوبر 2026 على الساعة 12 زوالا، بتقديم الأستاذة انتصار هادية، هو تتويج لمسار امرأة جعلت من الكتابة مسؤولية.

ماذا يقول عنوان الكتاب؟

يصدر الكتاب في طبعة أنيقة، على غلافه بوابة تاريخية لوجدة، وإهداء مؤثر:

“A OUJDA, MA VILLE DE MÉMOIRE ET DE LUMIÈRE”

ويختصر العنوان الفرعي الفلسفة كلها: “بريق ذاكرة مجروحة، بين الظل والنور والصمود”، وهذا ليس تأريخا باردا لمدينة، بل سيرة ذاتية لمدينة من خلال سيرة امرأة، وسيرة امرأة من خلال ذاكرة مدينة. وظهر الكتاب في تقديمه في المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة يوم 20 أكتوبر بقاعة “نداء السلام” بكلية الحقوق بوجدة، أنه عمل يغوص في تاريخ وجدة، ثقافتها، سينماها، عمارتها، وذاكرتها الشخصية.

قراءة في العمق – الذاكرة مسؤولية، والعناق تضامن

لُخِّص بجملة بليغة “كتاب جعل من الذاكرة مسؤولية، وجسر يربط بين الماضي والمستقبل. عناق ذاكرة التضامن مع جراح التاريخ”، وتتجلى مفاتيح قراءته في الذاكرة كمسؤولية أخلاقية، حيث لا تكتب ذ.سليمة لتتذكر فقط، بل لتُحمِّلنا المسؤولية. وتوجد في صفحاتها عن “السينمات المختفية في وجدة: ذاكرة العصر الذهبي” – مقتطف من الفصل 12 – أنها لا توثق قاعات عرض، بل توثق زمنا كان فيه للمدينة قلب ينبض جماعيا. وليست الذاكرة عندها حنينا سلبيا، بل فعل مقاومة ضد النسيان وضد من يريدون تحويل وجدة إلى “وسيلة عبور” لا ذاكرة مدينة.

وتظهر قوة الكتاب الإنسانية، في عناق التضامن، لأنه يستعيد دور وجدة التاريخي في احتضان المقاومين الجزائريين خلال حرب التحرير، بيوت فتحت، وخبز تقاسم، وجراح تضمدت معا. هذا البعد هو ما جعل كتابها يلقى صدى كبيرا على الضفتين، لأنه يذكر بأن التضامن كان أقوى من الحدود.

جراح التاريخ – الوجه الآخر للعناق

بشجاعة نادرة، لا تتهرب ذ.سليمة من الجرح المقابل: طرد المغاربة من الجزائر عام 1975. ويستعيد بعض من سألناهم/هن على كتابها، ذكريات مخيمات اللاجئين في وجدة، مخيم مكان ماكدونالدز اليوم، وآخر في الملعب الشرفي للكرة المستطيلة. ويصبح هنا الكتاب مصالحة مع الذات، لأن الوفاء للماضي لا يتعارض مع الأمل في المستقبل، ما دام الإعتراف بالألمين معا، ألم الإحتضان وألم الطرد، هو شرط الصدق التاريخي.

لماذا هذا الكتاب مهم الآن لوجدة؟

لأن وجدة اليوم، كما تقول ذ.سليمة في كتاباتها، مدينة حزينة تنتظر من يتكلم بصدق. ويأتي الكتاب في لحظة تحتاج فيها المدينة إلى من يعيد لها بريقها بين الظل والنور. فهو جسر بين جيل عاش سينما فوكس والزمن الجميل وجيل يبحث عن فضاء للشباب في حي النكادي، وبين ذاكرة المرأة التي ناضلت لتكون في لائحة حزبية لا مجرد رقم كوتا وذاكرة المدينة التي همشت كفاءاتها، وبين الماضي المجروح والصمود الذي هو عنوان الكتاب وخلاصته.

والحضور لحفل التوقيع في المعرض المغاربي للكتاب بوجدة يوم 31 أكتوبر ليس مجرد توقيع كتاب، بل هو مشاركة في رحلة إلى قلب الذاكرة والتراث والتاريخ الإنساني لوجدة العزيزة، كما جاء في دعوتها الجميلة.

يقع الكتاب في قلب مقولة “من لا ذاكرة له لا مستقبل له”، وتتقاطع فيه السيرة الذاتية للمؤلفة مع السيرة الجماعية لوجدة.

تتوزع محاوره الكبرى حول “الظل” بزمن تهميش وجدة، إغلاق دور السينما، تراجع دورها الحدودي، وآلام 1975.. و”النور” بوجدة كعاصمة للتضامن، مدينة فتحت أبوابها وقلوبها، مدينة الثقافة والزليج والباب الكبير.. و”الصمود”، بكيف بقيت وجدة واقفة رغم الجراح؟، وكيف تصمد نساؤها – والمؤلفة منهن – بين القانون والسياسة والكتابة؟.

ألف مبروك للأستاذة سليمة، لأن كتابها المُمَيَّز دعوة صريحة، بأن لا نكتب التاريخ لكي نبكي، بل لكي نتحمل مسؤولية عدم تكراره. وتستحق وجدة هذا البريق..

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *