لَكْوِيرَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ عَلَى طَاوِلَةِ الْحَسْمِ الْأُمَمِيِّ.. لِمَاذَا تَبْحَثُ نُوَاكْشُوطُ عَنْ “ضَمَانَاتِ الْحُدُودِ وَالْمَوَانِئِ” قَبْلَ طَيِّ مَلَفِّ الصَّحْرَاءِ؟… لَكْوِيرَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ فِي قَلْبِ الْحِسَابَاتِ الْمُورِيتَانِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
على مدى عقود، ظلت مدينة لكويرة، الواقعة في أقصى النقطة الجنوبية للمملكة المغربية على ساحل المحيط الأطلسي، رمزاً جغرافياً هادئاً بعيداً عن صخب المواجهات الدبلوماسية. غير أن خريف عام 2026 حمل معه تحولاً لافتاً؛ إذ قفز هذا الشريط الساحلي الضيق فجأة إلى صدارة الكواليس الأممية، ليصبح محور نقاشات حاسمة بين الرباط ونواكشوط وواشنطن والأمم المتحدة، وعنواناً لمرحلة “ما بعد نزاع الصحراء”.
فمع انتقال ملف الصحراء المغربية من مرحلة البحث عن “طبيعة الحل” إلى مرحلة “التنزيل المؤسساتي للحكم الذاتي”، أدركت موريتانيا -المعروفة أممياً بالطرف الجار أو الثالث- أن ساعة الحسم الدبلوماسي قد دقّت، وأن الجغرافيا المشتركة في شبه جزيرة “رأس نواذيبو” لم تعد تحتمل مناطق رمادية أو ترتيبات مؤقتة موروثة عن سبعينيات القرن الماضي.
من الترقب إلى المبادرة: ماذا جرى في كواليس 2026؟
لفهم سر الحراك الموريتاني الأخير حول لكويرة والحدود، يجب التوقف عند المحطات المفصلية التي شهدتها أروقة الأمم المتحدة منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 (في أكتوبر 2025)، والذي كرّس مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساساً للتفاوض.
ففي مطلع عام 2026، وتحديداً خلال جولة المحادثات المغلقة في مدريد (يومي 8 و9 فبراير) برعاية أمريكية وأممية، انتقلت الرباط إلى السرعة القصوى بتقديم مسودة مفصلة لنظام الحكم الذاتي تقع في 39 صفحة، تتضمن هندسة دستورية وإدارية وأمنية متكاملة للإقليم.
وأمام هذا المعطى الذي يؤكد أن السيادة المغربية بصدد الترسخ النهائي بقوة القانون الدولي، تحركت الدبلوماسية الموريتانية بشكل استباقي.
ووفق ما كشفه التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة (أكتوبر 2026)، تقدّم وزير الخارجية الموريتاني بمقترح رسمي يدعو إلى إنشاء “لجنة تتولى بالتوافق توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم”.
هذا الطلب، الذي أُبلغ به المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، لم يكن مجرد إجراء تقني، بل رسالة سياسية عميقة مفادها أن نواكشوط تستعد للتعامل مع مغرب مكتمل السيادة على حدودها الشمالية والغربية، وتريد تأمين مصالحها الحيوية قبل إغلاق الملف نهائياً في مجلس الأمن.
لكويرة ونواذيبو.. لغز “التوأم الجغرافي” في شبه جزيرة ضيقة
لا يمكن استيعاب الحساسية الموريتانية تجاه منطقة لكويرة دون النظر إلى الخريطة. فمدينة لكويرة المغربية ومدينة نواذيبو (العاصمة الاقتصادية لموريتانيا) تتقاسمان طولياً شبه جزيرة ضيقة داخل المحيط الأطلسي لا يتجاوز عرضها بضعة كيلومترات، بحيث تقع لكويرة في شطرها الغربي، بينما تقع نواذيبو وميناؤها الحيوي في شطرها الشرقي.
منذ انسحاب موريتانيا من إقليم وادي الذهب عام 1979 واسترجاع المغرب له، ظلّت لكويرة في وضع استثنائي؛ إذ هي تحت السيادة القانونية والتاريخية للمغرب، لكن الرباط غضّت الطرف بتفاهم هادئ عن وجود نقاط مراقبة أمنية موريتانية في أطرافها، تفهماً منها للهواجس الأمنية لنواكشوط الساعية لحماية ميناء نواذيبو ومصانع شركة الحديد الوطنية (سنيم) من أي تسلل أو اضطراب أمني.
اليوم، ومع اقتراب طيّ ملف النزاع وتنزيل الحكم الذاتي، تدرك نواكشوط أن هذا “الترتيب الأمني المؤقت” سينتهي بطبيعته مع بسط الإدارة المغربية كامل حضورها المدني والاقتصادي في لكويرة. وهنا يبرز الهاجس الموريتاني المزدوج:
1- الهاجس الاقتصادي (شريان نواذيبو): تخشى نواكشوط من أن يؤدي إعمار مدينة لكويرة وإطلاق مشاريع مينائية ولوجستية مغربية كبرى فيها -تكاملاً مع ميناء الداخلة الأطلسي العملاق- إلى سحب البساط اقتصادياً من ميناء نواذيبو، أو تقييد الملاحة البحرية في المياه المتداخلة بين الشطرين. لذلك تبحث موريتانيا عن اتفاقيات واضحة تمنع ما تصفه بعض الدوائر بـ”المزاحمة الاقتصادية الخانقة” وتضمن امتيازات وتسهيلات تحمي شريانها الاقتصادي الأول.
2- هاجس الحدود الموروثة: تستحضر النخبة الموريتانية باستمرار درس “الصحراء الشرقية” (تندوف وبشار) التي تركها الاستعمار الفرنسي دون ترسيم دقيق بين المغرب والجزائر، مما فجّر نزاعات حدودية عقوداً طويلة.
ومن هذا المنطلق، تريد نواكشوط اتفاقاً حدودياً وبحرياً موثقاً أممياً مع الرباط، يرسم الخيط الأبيض من الخيط الأسود بروح توافقية، ويجنب البلدين أي التباسات قانونية في المستقبل.
الورقة الديمغرافية وسقوط رهان “الدولة الفاصلة”
إلى جانب معادلة “لكويرة-نواذيبو”، حضر البعد البشري بقوة في إحاطة المبعوث الأممي دي ميستورا أمام مجلس الأمن في 8 أكتوبر 2026، حين أشار إلى مبادرة مشتركة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وواشنطن لتنظيم زيارات طوعية للصحراويين نحو العيون والداخلة، مع التشديد على مراعاة أوضاع الصحراويين المقيمين في موريتانيا.
فبحكم الروابط القبلية والأسرية الممتدة بين الأقاليم الجنوبية المغربية وشمال موريتانيا، أبدت نواكشوط تفهماً واقعياً لإمكانية استقرار جزء ممن يرتبطون عائلياً بمواطنين موريتانيين فوق أراضيها.
ورغم تداول قراءات إعلامية تربط هذا الموقف برغبة النظام الموريتاني في تعزيز المكون العربي (“البيظان”) لتحقيق توازن ديمغرافي وانتخابي داخلي، فإن الدافع الاستراتيجي الأعمق لنواكشوط يكمن في رغبتها في الحصول على مظلة تمويلية وتنموية أممية لإدماج هؤلاء السكان رسمياً، ومنع تحول أراضيها الشمالية إلى بؤرة استقطاب سياسي أو أمني بعد تفكيك مخيمات تندوف أو تصفية النزاع.
هذا التحرك الموريتاني يحمل في طياته إعلان وفاة غير مباشر لمشروع “الدولة الفاصلة” الذي دافعت عنه الجزائر وجبهة البوليساريو طيلة نصف قرن؛ فطلب نواكشوط توضيح حدودها الدولية الدائمة مع الإقليم في ظل مقترح الحكم الذاتي المغربي، يعني أن موريتانيا حسمت خيارها الجيوسياسي وقررت التعايش والتكامل مع سيادة مغربية كاملة من طنجة إلى لكويرة.
لكويرة غداً: من منطقة هامشية إلى قاطرة أطلسية مشتركة
لا تنظر الرباط إلى الهواجس الموريتانية في لكويرة ونواذيبو بعين الريبة، بل تراها مدخلاً ذهبياً لبناء شراكة استراتيجية غير مسبوقة. فالرؤية الملكية المغربية لواجهة المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، يرتكزان أساساً على جعل موريتانيا شريكاً محورياً وممراً حيوياً نحو عمق غرب إفريقيا، لا منافساً معزولاً.
إن التحول المرتقب في مدينة لكويرة بعد حسم الملف أممياً لن يكون على حساب ميناء نواذيبو، بل إن المؤشرات الاقتصادية تذهب نحو صياغة نموذج “القطب الاقتصادي المندمج”؛ بحيث تتكامل البنية التحتية المغربية المتطورة في الداخلة ولكويرة مع الثروات المعدنية والمينائية في نواذيبو، ضمن منطقة تجارة حرة حدودية ومشتركة تؤطرها اتفاقيات ثنائية راسخة.
بهذا المعنى، تتحول لكويرة المغربية في خريف 2026 من آخر نقطة جغرافية صامتة في خريطة النزاع، إلى أول نقطة انطلاق في خريطة التكامل المغاربي-الإفريقي الجديد، حيث تنتصر لغة الموانئ والمصالح المشتركة والحدود الآمنة على أوهام التجزئة وشعارات الحرب الباردة.

