شَغَبُ مَوْلُودِيَّةِ الْجَزَائِرِ فِي نِيجِيرْيَا: مِرْآةٌ لِثَقَافَةِ الرَّفْضِ التَّامِّ لِلْهَزِيمَةِ وَتَصْدِيرِ الْأَزَمَاتِ… عَقِيدَةُ “انْفِجَارِ الْغَضَبِ وَالتَّخْرِيبِ” عِنْدَمَا يُهْزَمُ “ابْنُ الشَّهِيدِ” بِفِعْلِ الْمُؤَامَرَةِ!
عبدالقادر كتـــرة
لم يعد غريباً أن تتجاوز تداعيات الملاعب الجزائرية حدودها المحلية لتطرق أبواب القارة الإفريقية بصورة مؤسفة ومسيئة؛ فقد تقدم نادي رينجرز النيجيري بشكاية رسمية إلى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، يتهم فيها جماهير مولودية الجزائر بتحطيم بوابة ملعب مدينة ابيوكوتا واقتحامه دون تذاكر، فضلاً عن تخريب عدد من الكراسي خلال وبعد مباراة دوري أبطال إفريقيا، ومطالبة الكاف بتدخل عاجل لحماية البعثة قبل مباراة الإياب في الجزائر.
هذا السلوك الهمجي لا يمثل مجرد حوادث شغب عابرة، بل يعكس أزمة أعمق وأعقد بكثير ترتبط ببنية التفكير النفسي والاجتماعي لجماهير تم شحنها وتوجيهها على مدى عقود من طرف النظام العسكري الجزائري.
ثقافة “لا يُهزم”: حين تُلغى الروح الرياضية قسراً
في الرياضة، الهزيمة هي الوجه الآخر للانتصار، وهما معا ركيزتان أساسيتان للروح الرياضية التي تقوم على التنافس الشريف وتقبل النتيجة مهما كانت. غير أن المشهد الكروي في الجزائر أُفرغ تماماً من هذه القيم السامية.
لقد دأب النظام السياسي والعسكري هناك على غرس عقيدة وهمية في عقول المواطنين مفادها أن الجزائري “ابن الشهيد” لا يُهزم ولا يُقهر، وأنه وُلِد ليكون في القمة دائماً.
هذا الشحن التعبوي المبالغ فيه حوّل كرة القدم من متنفس ترفيهي ورياضي إلى ساحة حرب معنوية مقدسة؛ فبات المشجع الجزائري عاجزاً بنيوياً عن تقبل فكرة أن فريقه قد يكون الطرف الأضعف فوق المستطيل الأخضر، أو أن المنافس قد تفوق عليه كروياً ومهنياً.
فوبيا الخسارة: البحث الدائم عن مشجب “المؤامرة”
عندما تسقط الأندية أو المنتخب الجزائري في فخ الهزيمة، لا يبحث العقل الجمعي المعبأ سياسياً عن الأسباب الفنية أو النقائص التسييرية، بل يلجأ فوراً إلى نظرية المؤامرة لتبرير السقوط.
وفقاً لهذه السردية المفبركة، فإن الجزائري لا يخسر أبداً باستحقاق، وإنما يسقط دائماً بسبب “الغش، الخداع، والمناواة والدسائس الخارجية”.
سواء تعلق الأمر بتحكيم إفريقي مزعوم، أو مؤامرات قارية، أو مؤامرات خفية، يتم تبرير كل أعمال الشغب والتخريب – بدءاً من تكسير بوابات ملاعب نيجيريا وصولاً إلى الفوضى الداخلية – على أنها ردة فعل مشروعة لـ “رفع الظلم واستعادة الحق المسلوب”.
هذا الوهم المستدام يجرّد الأفراد من المسؤولية الفردية والأخلاقية، ويشرعن العنف كأداة دفاعية وهمية.
التداعيات: انعكاسات كارثية على صورة كرة القدم
إن هذا السلوك المأزوم لا يضر فقط بالأندية المعنية، بل يوجه ضربة قاصمة لسمعة كرة القدم في الجزائر ككل.
فهو يكرس صورة سلبية لدى الهيئات الرياضية الدولية والقارية، ويجعل الملاعب الإفريقية والدولية تنظر إلى البعثات الجزائرية بريبة وتوجس أمني مستمر، فضلاً عن تعريض الأندية لعقوبات مالية وقانونية قاسية تشمل اللعب دون إدمان الجمهور أو الحرمان من المشاركات.
خاتمة: متى تنقشع غشاوة التعصب؟
إن علاج هذه الظاهرة المرضية يبدأ أولاً بتحرير الرياضة من براثن التوظيف السياسي والعسكري، وإعادة الاعتبار للقيم الحقيقية للمنافسة الشريفة.
فالشعوب الواعية هي التي تقر بالخطأ وتقبل الخسارة بروح رياضية عالية لتتعلم منها وتنهض من جديد، أما البقاء أسرى لأوهام المؤامرة وعقدة “ابن الشهيد الذي لا يُهزم” فلن يزيد الرياضة الجزائرية إلا تراجعاً وانعزالاً.
– جوهر الرياضة: احتفال إنساني لا ساحة حرب
إن التربية والأخلاق والروح الرياضية والمنافسة الشريفة ليست مجرد شعارات تُرفع في المحافل، بل هي المعيار الحقيقي لرقي الأمم وتطورها الفكري والحضاري. فالرياضة منذ نشأتها وُجدت لتكون:
– جسر للتواصل والمحبة: فضاء يجمع الشعوب بمختلف ثقافاتها ولغاتها في عرس رياضي واحد، لا أن تُستغل لإشعال التنافر والعداوات.
– ترسيخ للسلام: وسيلة لنشر قيم التسامح والتعارف، حيث يسلم المنهزم على المنتصر بروح عالية تعترف بالجهد والأداء.
– متنفس للبهجة: احتفال وأعياد تضفي البهجة على القلوب، وتفرغ الطاقات الشبابية في إطار تنافسي أخلاقي بعيداً عن التعصب الأعمى والتخريب.
وعليه، فإن العودة إلى الأصول الأخلاقية للرياضة هي المخرج الوحيد لحماية الملاعب الإفريقية والدولية من شرور العنف والتصرفات الهمجية، لتظل كرة القدم كما كانت دائماً رمزاً للوحدة والسلام الإنساني.

