اِنْتِصَارٌ مِنْ وَرَقٍ: اَلدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْمَغْرِبِيَّةُ تُبَدِّدُ “الْفَرْحَةَ الْوَهْمِيَّةَ” فِي مُخَيَّمَاتِ تِنْدُوف…اَللَّجْنَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَوْهَامُ الضَّائِعَةُ…حَقِيقَةُ الْقَرَارِ الْأُمَمِيِّ الَّذِي فَضَحَ قِيَادَةَ الْبُولِيسَارْيُو

اِنْتِصَارٌ مِنْ وَرَقٍ: اَلدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْمَغْرِبِيَّةُ تُبَدِّدُ “الْفَرْحَةَ الْوَهْمِيَّةَ” فِي مُخَيَّمَاتِ تِنْدُوف…اَللَّجْنَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَوْهَامُ الضَّائِعَةُ…حَقِيقَةُ الْقَرَارِ الْأُمَمِيِّ الَّذِي فَضَحَ قِيَادَةَ الْبُولِيسَارْيُو
عبدالقادر كتـــرة

في مشهد يعكس حالة التخبط والارتباك التي تعيشها قيادة جبهة “البوليساريو” الانفصالية وحاضنتها الإقليمية، شهدت مخيمات تندوف مؤخراً موجة من “الاحتفالات المفتعلة” وزغاريد هللت لما وصفته الآلة الدعائية الجزائرية بـ “الانتصار التاريخي” في أروقة الأمم المتحدة.
السبب؟ قرار صادر عن “اللجنة الرابعة” المعنية بتصفية الاستعمار. لكن، وكما يُقال، الشيطان يكمن في التفاصيل؛ فبمجرد انقشاع غبار هذه البروباغندا، وقراءة متأنية لمضامين القرار وحيثياته، تحولت الفرحة الوهمية إلى صدمة سياسية عميقة، لتتكشف حقيقة ما جرى كفصل جديد من فصول الإفلاس الدبلوماسي للخصوم.
قرار روتيني… ومفارقة التصويت المغربي
للوهلة الأولى، سوّق إعلام الجبهة هذا القرار على أنه إدانة دولية لـ “الاحتلال المغربي” واعتراف صريح بحق الاستقلال. لكن الحقيقة الوثائقية للأمم المتحدة تقول غير ذلك تماماً. فالقرار المذكور ليس سوى قرار أدبي وروتيني يُعاد تمريره داخل هذه اللجنة منذ أكثر من أربعة عقود، وتحديداً منذ منتصف الستينيات حين كانت الصحراء فعلياً ترزح تحت نير الاستعمار الإسباني.
المفارقة الكبرى التي كشفت هشاشة هذا “الانتصار”، هي أن المملكة المغربية كانت في طليعة الـ 152 دولة التي صوّتت لصالح هذا القرار.
وهنا تتجلى عبقرية الدبلوماسية المغربية؛ فكيف للمغرب أن يُصوت لقرار يمس سيادته؟ الجواب ببساطة: القرار لا يضر بالمغرب البتة. فتصويت الرباط الإيجابي هو تأكيد ذكي على تماهي المملكة مع الشرعية الدولية، وتكريس لموقفها القائل بأن مبدأ “تصفية الاستعمار” مرتبط تاريخياً بخروج الإسبان، ولا علاقة له بالسيادة التاريخية والشرعية للمغرب على أقاليمه الجنوبية.
“الحكم الذاتي”… الصدمة الكامنة بين السطور
إذا كان الخصوم قد ركزوا على مصطلحات عامة مثل “تقرير المصير”، فإنهم تعمدوا إخفاء “الصدمة الحقيقية” عن ساكنة المخيمات. فالنص النهائي للقرار، وعند التمعن فيه، يُحيل بشكل مباشر وصريح إلى جهود الأمين العام للأمم المتحدة، ومبعوثه الشخصي “ستيفان دي ميستورا”، والأهم من ذلك؛ أنه يأخذ بعين الاعتبار ويستند إلى قرارات مجلس الأمن المُلزمة، وعلى رأسها سلسلة القرارات التي توجت بالقرار الأممي الأخير.
هنا يكمن التحول الجوهري؛ فالمجتمع الدولي، ومجلس الأمن بوصفه أعلى سلطة تنفيذية، قد طوى نهائياً صفحة “الاستفتاء” الكلاسيكي بعد أن أثبتت الأمم المتحدة استحالة تطبيقه، وأعاد صياغة مفهوم “تقرير المصير” ليتم تنزيله حصرياً عبر مبادرة “الحكم الذاتي” الموسع تحت السيادة المغربية، باعتباره الحل السياسي، الواقعي، والعملي الوحيد.
التغطية على الإخفاق واستباق العاصفة
أمام هذه الحقائق الدامغة، يبرز تساؤل جوهري: لماذا تضخم قيادة البوليساريو من حجم هذا القرار الروتيني؟ الجواب يكمن في الداخل المأزوم.
تعيش القيادة الانفصالية عزلة دولية غير مسبوقة، واختناقاً دبلوماسياً بعد توالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء. وفي ظل غياب أي مكاسب حقيقية، وتنامي الأصوات المعارضة المحبطة داخل المخيمات، وجدت القيادة نفسها مضطرة لصناعة “انتصارات من ورق” لامتصاص الغضب الداخلي، واستحمار الرأي العام المخيمي الذي يُعزل عن المعطيات الدولية الحقيقية.
أكثر من ذلك، يبدو أن هذه “الاحتفالات المصطنعة” هي بمثابة وسادة نفسية استباقية تحاول الجزائر والبوليساريو وضعها قبل حلول العاصفة الحقيقية.
ففي أواخر شهر أكتوبر الجاري، سيكون مجلس الأمن الدولي على موعد مع إصدار قراره السنوي المُلزم حول الصحراء، وهو القرار الذي تشير كل المعطيات إلى أنه سيكرس بشكل أعمق المكتسبات المغربية، وسيجدد دعوة الجزائر كـ “طرف رئيسي” للجلوس إلى طاولة المفاوضات حول مقترح الحكم الذاتي.
خلاصة: الحقيقة التي لا يمكن حجبها
لقد أثبتت واقعة اللجنة الرابعة أن الدبلوماسية لا تُدار بالزغاريد، ولا بصياغة العناوين العريضة في الصحف الموجهة.
فعندما تُترجم النخب الصحراوية في تندوف مضامين القرار حرفياً، وتستوعب أن المجتمع الدولي بهياكله كافة بات ينظر إلى مبادرة “الحكم الذاتي” كأفق وحيد للحل، ستتحول الفرحة إلى صدمة، وسيتأكد المحتجزون أن قيادتهم لا تدير مشروعاً للتحرر، بل تدير أزمةً لاستدامة معاناتهم خدمة لأجندات جيوسياسية إقليمية.
المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، قرارات مجلس الأمن تحصّن هذا الواقع، بينما تستمر قلاع الأوهام في الانكسار أمام جدار الشرعية والواقعية السياسية.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *