الجَامِعَةُ العَرَبِيَّةُ، جَامِعَةُ “اللَّاقَرَارِ”.. هَيْكَلٌ بِلَا رُوحٍ: حَانَ وَقْتُ إِعْلَانِ الْوَفَاةِ وَإِرَاحَةِ الْجَسَدِ الْعَرَبِيِّ… ثَرْثَرَةٌ عَلَى أَنْقَاضِ الْعَوَاصِمِ.. أَوْقِفُوا مَسْرَحِيَّةَ الْعَمَلِ الْعَرَبِيِّ الْمُشْتَرَكِ!
عبدالقادر كتـــرة
ما هو دور الجامعة العربية فيما يجري من مآسي وتهديدات ومخاطر واعتداءات وتشرذم وتجزيء في الجسد العربي؟
– ماذا فعلت الجامعة في القضية الفلسطينية السليبة وغزة الجريحة والقدس العربية المخطوفة التي يتم تهويدها أمام أعين العالم؟
– ماذا فعلت الجامعة العربية أمام مجازر سوريا الأسد الفأر المجرم في قتل أكثر من مليونين من السوريين وتهجير أكثر من عشرة ملايين من المواطنين السوريين العزل بأبشع الطرق والاسلحة؟
– وماذا فعل هذا التجمع في تمزيق العراق وتفكيك نظام صدام بعد احتلاله وانتهى باغتياله بعد محاكمة أمريكية عبارة عن مسرحية؟
– ماذا فعلت هذه الجامعة العربية التي تتفرج على محاولات تقسيم المغرب من طرف نظام عربي مارق عضو في هذه الجامعة؟
– ماذا فعلت الجامعة العربية “اللاعربية” وهي تراقب التطاحن والتصارع والاقتتال والمزيق في ليبيا؟
– ماذا فعلت هذه الجامعة العمياء وهي تراقب الحرب الأهلية في السودان بعد أن شهدت على تجزيء جسدها ولا زال التمزيق متواصلا ودماء السودانين العرب تسيل أنهارا؟
– ماذا فعلت هذه الجامعة الجبانة وهي تثرثر وتتباكى على قصف دول عربية داعمة لها أعضاء من جسدها من طرف الحرس الثوري الإيراني الشيعي الرافضي؟
– ماذا فعلت هذه الجماعة المشلولة وليس الجامعة العربية وهي تتفرج، الآن، على قصف الحوثيين الارهابيين الشيعيين الروافض للسعودية أرض الإسلام المباركة ومنزل الوحي ومولد الرسول الأكرم والأماكن المقدسة واستهداف المدنيين العزل؟
– ماذا فعلت هذه المجموعة العربية التائهة وليس الجامعة، وهي تشاهد وتشهد على المخططات الخبيثة والدنيئة لدويلة قطر عبر قناتها القذرة، تعمل على تفكيك الدول العربية وإشعال الفتن فيها وإيقاظ الفتن وتأجيج فتيلها؟
– وماذا فعلت وماذا فعلت وماذا ستفعل بجميع فروعها وكم من بيانات أصدرت وكم ستصدر من بيانات….ومتى ستتوقف عن الثرثرة وعن تبادل التحيات والتهانى …؟
– ومتى سيعلن عن نفوق هذا الكائن ونستربح من صراخها عبر خروجها بنعيق “نددت” و”أدانت” و”شجبت” و”عبرت عن قلقها” و”عبرت عن رفضها” و…و..
في كل مرة تعصف فيها أزمة وجودية بعاصمة عربية، أو تُستباح فيها مقدسات، أو يُشرّد فيها الملايين، تتجه أنظار المواطن العربي، بحكم العادة والذاكرة المثقلة بالشعارات، إلى مبنى جامعة الدول العربية.
وما هي إلا ساعات أو أيام حتى يخرج بيان “تاريخي” يحمل مفردات الشجب والإدانة والقلق البالغ، ثم تُطوى الصفحة بانتظار الكارثة التالية. لقد تحولت هذه المؤسسة، التي أُسست قبل ثمانية عقود كحلم لتوحيد الصف، إلى مجرد منصة لتنظيم العجز العربي وتغليفه ببيانات لغوية مكررة، مما يجعل طرح فكرة تفكيكها وتجاوزها ليس مجرد رد فعل غاضب، بل ضرورة سياسية ونفسية ملحة.
متحف الأزمات المفتوح
إذا أردنا تقييم أي مؤسسة، فالفيصل هو النتائج على الأرض. ماذا قدمت الجامعة العربية أمام تهويد القدس المستمر وابتلاع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية؟ لقد تحولت القضية المركزية إلى مجرد بند بروتوكولي في الجلسات الافتتاحية.
وماذا فعلت عندما سقطت بغداد وتفكك نسيجها؟ وكيف تصرفت وهي ترى سوريا تتحول إلى مسلخ مفتوح وملعب للقوى الدولية، دُمرت فيه المدن وهُجر نصف سكانها؟
لم تكن الجامعة حاضرة إلا كشاهد زور أو غائب عاجز في ليبيا واليمن والسودان.
بل إنها وقفت مشلولة تماماً أمام محاولات المساس بالوحدة الترابية لدولها الأعضاء، وتفرجت بصمت على تمويل بعض دولها ميليشيات وجماعات مسلحة لضرب استقرار دول عربية أخرى كما تجتهد الجزائر العضو في الجامعة، منذ اكثر من نصف قرن، دون ملل ولا كلل، في أيواء وتسليح وتمويل عصابة البوليساريو الإرهابية، وتستمر مع مرتزقة الريف، لتقسيم المغرب وتمزيق جسده.
في كل هذه المحطات، كانت الميليشيات الأجنبية والجيوش الإقليمية والدولية هي من ترسم خرائط الدم والنفوذ، بينما تكتفي الجامعة بتبادل التحيات الدبلوماسية والتقاط الصور التذكارية في القمم الدورية.
تكلفة “الثرثرة” السياسية
الخطر الحقيقي لبقاء جامعة الدول العربية بهيكلها الحالي لا يكمن فقط في عجزها، بل في الدور التخديري الذي تمارسه.
إنها تبيع وهماً للمواطن العربي بأن هناك “نظاماً إقليمياً” ومظلة سياسية تحميه، بينما في الواقع لا يوجد سوى فراغ قاتل.
هذه “الثرثرة” السياسية المستمرة، وإصدار البيانات التي لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به، تخلق حالة من الإحباط النفسي العميق لدى الشعوب العربية.
لقد سئم المواطن من رؤية مؤسسة تُنفق عليها ميزانيات ضخمة لتمويل جيش من الموظفين والدبلوماسيين، ليكون نتاجها الوحيد هو العجز. إن بقاء هذه الواجهة الزائفة يمنح شرعية لتقاعس الدول؛ فكل عاصمة تلقي باللائمة على “الإجماع العربي” المفقود، وتتخذ من ضعف الجامعة ذريعة للتهرب من مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية تجاه القضايا الكبرى.
لماذا التفكيك هو الحل؟
قد يبدو الدعوة إلى تفكيك الجامعة العربية وحلها نهائياً خطوة يائسة، لكنها في جوهرها قمة الواقعية السياسية لعدة اعتبارات:
1- إنهاء النفاق السياسي: إغلاق هذا الهيكل سيسقط ورقة التوت الأخيرة التي تختبئ خلفها السياسات القطرية.
ستُجبر الدول على مواجهة شعوبها ومواجهة العالم بحجمها الحقيقي وقراراتها المنفردة، دون التستر خلف عباءة “العمل المشترك” الوهمي.
2- فتح الباب للتحالفات الواقعية (البراغماتية): العالم اليوم لا يُبنى على الشعارات القومية والعواطف، بل على المصالح الجيوسياسية والاقتصادية.
تفكيك الجامعة سيمهد الطريق لدول المنطقة لبناء تحالفات ثنائية أو تكتلات إقليمية مصغرة (جيوسياسية واقتصادية) مبنية على مصالح حقيقية وملزمة وقابلة للتنفيذ، بعيداً عن وهم الإجماع المكون من 22 دولة تتناقض مصالحها وتحالفاتها جذرياً.
3- إراحة العقل الجمعي العربي: من حق الأجيال الجديدة أن تتحرر من هذا العبء النفسي. تفكيك الجامعة سيكسر حلقة التوقعات الكاذبة والخيبات المتتالية، ويؤسس لوعي جديد يتعامل مع دول المنطقة ككيانات مستقلة تبحث عن مصالحها، وليس كـ “جسد واحد” أثبتت الأيام أنه ممزق من الداخل.
خلاصة القول، إن الاستمرار في ضخ الدماء في جثة سياسية هامدة هو إهدار للوقت والكرامة. جامعة الدول العربية، اليوم أشبه بخيمة ممزقة لا تقي من شمس حارقة ولا من عاصفة هوجاء؛ والاحتفاظ بها لم يعد يعني سوى إطالة أمد الخديعة.
حان الوقت لإعلان الوفاة السريرية لهذه المؤسسة، وإغلاق أبوابها، والتوقف عن هذه الثرثرة الدبلوماسية. إنها الخطوة الأولى والقاسية نحو استيعاب واقعنا المرير، والبدء في بناء علاقات إقليمية تحترم العقول، وتعتمد على المصالح والأفعال، لا على قصائد الرثاء وبيانات الشجب المكررة.

