حِينَ قَرَعَتِ الْجَزَائِرُ أَبْوَابَ مَرَّاكُشَ مِنَ الْخَلْفِ: تَوَدُّدٌ فِي الظِّلِّ وَصَدْمَةٌ مِنَ الصَّمْتِ الْمَغْرِبِيِّ الْقَاتِلِ… كَيْفَ وَاجَهَ الْمَغْرِبُ رَجَاءَ الْعَسْكَرِ الْجَزَائِرِيِّ بِتَجَاهُلٍ أَشَدَّ مِنَ الرَّفْضِ؟

حِينَ قَرَعَتِ الْجَزَائِرُ أَبْوَابَ مَرَّاكُشَ مِنَ الْخَلْفِ: تَوَدُّدٌ فِي الظِّلِّ وَصَدْمَةٌ مِنَ الصَّمْتِ الْمَغْرِبِيِّ الْقَاتِلِ… كَيْفَ وَاجَهَ الْمَغْرِبُ رَجَاءَ الْعَسْكَرِ الْجَزَائِرِيِّ بِتَجَاهُلٍ أَشَدَّ مِنَ الرَّفْضِ؟

عبدالقادر كتـــرة

حسب أحد المواقع الإلكترونية الموالية لجبهة البوليساريو وللنظام العسكري الجزائري:

“أعلنت الصحف الفرنسية و عدة حسابات لسياسيين جزائريين بأن الرباط رفضت طلب الجيش الجزائري بالمشاركة في المعرض كملاحظ، بعد أن توصل المنظمون برسالة عبر البريد الخاص بالمعرض تتضمن طلبا من وزارة الدفاع الجزائرية من أجل إرسالها وفدا عسكريا جزائريا للمشاركة و للإطلاع على التكنولوجيا المعروضة، و ربما لعقد صفقات تسليح مع شركات تعرض أحدث منتجاتها العسكرية.

ورغم أن الجزائر لم تنفي الخبر الذي روج له في الإعلام الفرنسي وعلى حسابات سياسيين جزائريين، فإن الرباط بدورها لم تؤكد الأمر، غير أن عدة مصادر أوروبية كشفت بأن الرباط حددت شروط المشاركة في الحصول على التأشيرة الخاصة بالمعرض من السفارات المغربية بالبلدان الراغبة في زيارة المعرض، مما يعني أن الجزائر إضطرت لمراسلة منظمي المعرض بسبب إغلاق سفارة المغرب بالجزائر.”

لا شيء يفضح هشاشة الشعارات السياسية أكثر من لحظات الاصطدام بالواقع الاستراتيجي البارد.

فبعد سنوات من الخطاب الرسمي المتشنج، وقرارات القطيعة الأحادية، وإغلاق الأجواء والحدود، وجدت القيادة الجزائرية نفسها أمام مفارقة محرجة: الرغبة الجامحة في حجز موطئ قدم، ولو بصفة “ملاحظ”، في الحدث الجوي والعسكري الأبرز على الأراضي المغربية: “معرض مراكش الدولي للطيران”.

لم تكن المحاولة مجرد رغبة تقنية عابرة لضباط يبحثون عن الاطلاع على تكنولوجيا التسليح الحديثة؛ بل تحولت إلى مسرحية سياسية متكاملة الأركان، كشفت فصولها كيف تحول التكبر الدبلوماسي إلى تودد خفي، وكيف ارتد هذا التودد صدمةً مدوية على أصحابه بفعل برود الرد المغربي.

التودد من النوافذ الخلفية: التناقض الفج

بدأت الحكاية حين قررت وزارة الدفاع الجزائرية القفز على كل تراكمات العداء المعلن، لتراسل إدارة المعرض المغربي عبر بريدها الإلكتروني، ملتمسةً السماح لوفد عسكري جزائري بالدخول.

حمل هذا المسعى في طياته إذلالاً غير معلن؛ فالجزائر، التي قطعت علاقاتها مع الرباط عام 2021 وطردت السفير وأغلقت القنوات الدبلوماسية، أدركت فجأة أن المعرض المغربي بات قبلة عمالقة التسلح الدوليين، ومنصة لا يمكن لعاقل في المؤسسة العسكرية التخلف عن متابعتها.

كانت الرسالة الجزائرية شكلاً من أشكال “التودد البراغماتي” المحرج: تجميد الكبرياء الدبلوماسي سراً من أجل تأشيرة دخول، ومحاولة النفاذ عبر ثغرة تقنية وتنظيمية لتجنب مخاطبة وزارة الخارجية المغربية مباشرة.

لكن محاولة الالتفاف هذه عكست اضطراباً في العقل الاستراتيجي لقصر المرادية، الذي توهم أن بإمكانه التسلل كضيف إلى بيت أغلق أبوابه بيده، متناسياً أن السيادة لا تُدار بالاستثناءات الإدارية.

الصمت المغربي: أشد فتكاً من قرار المنع

المفارقة الحقيقية لم تكن في جرأة الطلب الجزائري، بل في طبيعة الرد المغربي. لم تصدر الرباط بيانات غاضبة، ولم تُشهر رفضاً استعراضياً في نشرات الأخبار، بل اختارت السلاح الدبلوماسي الأكثر فتكاً بالغرور: التجاهل التام.

تعاملت الرباط مع الطلب الجزائري وكأنه غير موجود. لا صدى، لا تعليق، ولا التفاتة. واكتفت مصادر إدارية أوروبية بتسريب المعادلة المغربية البسيطة والخانقة في آن واحد: “المشاركة تتطلب تأشيرة نظامية، والتأشيرة تُطلب من سفارات المملكة المغربية في بلدان الراغبين في الزيارة”.

بهذه الخطوة المجردة، أعادت الرباط كرة اللهب إلى ملعب الجزائر. لم تقل الرباط “ممنوعون من الدخول”، بل قالت بلغة القانون الدولي الهادئ: “أنتم من أغلقتم السفارة في عاصمتكم، فتحملوا تكلفة عزلتكم”. كان ذلك رداً يقطر سخرية باردة، ووضع وفد العسكر الجزائري أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاصطفاف الذليل أمام قنصلية مغربية في باريس أو تونس لطلب تأشيرة سياحة عسكرية، أو ابتلاع الإهانة والانكفاء إلى الوراء.

صدمة التجاهل وخيبة الأمل في قصر المرادية

نزلت المعاملة المغربية كالصاعقة على دوائر صنع القرار في الجزائر. فالنظام الذي بنى سرديته الداخلية على فكرة “مواجهة الجار الغربي والند للند”، صُدم بواقع أن الطرف الآخر لا يراه أصلاً، ولا يكلف نفسه عناء الدخول معه في سجال حول مشاركة وفد عسكري.

التجاهل المغربي لم يجهض فقط رغبة الجيش الجزائري في معاينة ما وصلت إليه شراكات المغرب الدفاعية والطائرات المسيرة والتكنولوجيا المتقدمة، بل أصاب كبرياء القيادة في مقتل.

فأن يرفضك الخصم يعني أنه يعترف بوجودك ويتحداك، أما أن يعاملك كشبح، أو كملف إداري تافه لا يستحق حتى ختم الرفض، فهو الدرس الأقسى في فنون الإهمال الاستراتيجي.

تكشف هذه الواقعة حجم الفجوة بين الأوهام الدعائية والواقع الميداني.

لقد برهنت الرباط أنها تدير شؤونها من موقع الدولة الواثقة بمشاريعها ومواعيدها الدولية، بينما أظهرت مناورات الجزائر الأخيرة أن سياسة المقاطعة لم تكن سوى بندقية ارتد رصاصها إلى صدر مطلقها، لتترك وراءها خيبة أمل صامتة، ودرساً لا ينسى: من يحرق الجسور خلفه، لا يملك أن يطلب حق العبور حين ينظم الجيران مهرجانات النصر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *