تَبونْ مُتَهَوِّرٌ وَانْتِقَامِيٌّ”.. هَذَا مَا كَشَفَهُ التَّقْرِيرُ السِّرِّيُّ لِلسَّفِيرِ الْفَرَنْسِيِّ عَنْ عَقْلِيَّةِ الرَّئِيسِ الْجَزَائِرِيِّ… وَصِيَّةُ السَّفِيرِ الْمُخَيِّبَةُ: رَئِيسٌ “بِلَا شَرْعِيَّةٍ” يَصْنَعُ أَزَمَاتِ الْجَزَائِرِ لِيُثْبِتَ وُجُودَهُ

تَبونْ مُتَهَوِّرٌ وَانْتِقَامِيٌّ”.. هَذَا مَا كَشَفَهُ التَّقْرِيرُ السِّرِّيُّ لِلسَّفِيرِ الْفَرَنْسِيِّ عَنْ عَقْلِيَّةِ الرَّئِيسِ الْجَزَائِرِيِّ… وَصِيَّةُ السَّفِيرِ الْمُخَيِّبَةُ: رَئِيسٌ “بِلَا شَرْعِيَّةٍ” يَصْنَعُ أَزَمَاتِ الْجَزَائِرِ لِيُثْبِتَ وُجُودَهُ

عبدالقادر كتـــرة

في عالم الدبلوماسية، تُوزن الكلمات بميزان من ذهب، ونادراً ما يتخلى السفراء عن لغتهم المنمقة لوصف قادة الدول التي يعملون بها. لكن عندما يتعلق الأمر بتقرير “نهاية المهمة”، فإن الحقيقة تُكتب بلا مساحيق تجميل.

هذا بالضبط ما فعله “فرانسوا غوييت”، السفير الفرنسي السابق في الجزائر (2020-2023)، في تقريره السري الذي كشف عنه كتاب “الجزائر-باريس، قضية سامة”.

اللافت في هذا التقرير ليس كونه وثيقة مسربة من أروقة الخارجية الفرنسية فحسب، بل هوية كاتبه.

فالسفير “غوييت” ليس خصماً للجزائر، بل مستعرب مخضرم، متزوج من جزائرية، وتجمعه بالبلاد روابط تاريخية وعائلية.

أرسله الرئيس إيمانويل ماكرون في مهمة لـ”إصلاح ذات البين”، ليعود بعد ثلاث سنوات بوثيقة يمكن تسميتها “التشخيص الأصعب” لتركيبة النظام الجزائري الحالي، وعلى رأسه الرئيس عبد المجيد تبون.

“عقدة الشرعية”.. المحرك الأساسي للسلوك يركز التقرير في جوهره على تفكيك العقلية التي تحكم قصر المرادية اليوم. يصف السفير غوييت الرئيس تبون بعبارات قاسية لكنها دقيقة دبلوماسياً: “متهور، انتقامي، ومحاط ببطانة سيئة”.

ولكن، من أين ينبع هذا السلوك؟ يجيب التقرير بوضوح: إنها “أزمة الشرعية المزدوجة”. فالرئيس الجزائري الحالي يفتقر إلى “الشرعية الثورية”، إذ لم يكن من جيل المجاهدين الذين قادوا حرب الاستقلال، وهو المعيار التاريخي للحكم في الجزائر.

وفي الوقت ذاته، يفتقر إلى “الشرعية الديمقراطية” نظراً لظروف انتخابه التي شهدت مقاطعة شعبية واسعة إبان الحراك.

هذا النقص في المشروعية، بحسب التقرير، خلق حالة من “عدم الأمان السياسي” لدى الرئيس، مما جعله يعوض ذلك باللجوء إلى الخطاب القومي المتشدد، وافتعال المعارك الوهمية، والاعتماد على ردود الفعل الانفعالية (المتهورة) بدلاً من التخطيط الاستراتيجي الهادئ الذي يتطلبه منصب رئيس الجمهورية.

“سلطة بلا سلطة”.. التخبط الإداري

لعل أخطر ما في سلوكيات القيادة الحالية، كما يرصدها التقرير، هي حالة “السلطة بلا سلطة”. في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ورغم كل المآخذ، كان النظام يمتلك رؤوساً ثقيلة قادرة على اتخاذ القرار وفرضه (الرئاسة، المخابرات، الجيش).

أما اليوم، فيبدو الرئيس تبون غارقاً في العزلة وسط حاشية تفتقر للكفاءة والوزن السياسي.

هذا المِزاج الانفعالي للرئيس، والمحاط ببطانة ضعيفة، أدى إلى شلل شبه تام في مؤسسات الدولة.

أصبحت الإدارة الجزائرية تعاني مما يشبه “الرهاب” من اتخاذ أي قرار، خوفاً من المزاج المتقلب للقيادة والمتابعات القضائية، مما أدى إلى تعطل عجلة الاقتصاد، وتراكم ديون الشركات الأجنبية، وهروب الاستثمارات.

صناعة الأزمات.. المهرب الدبلوماسي

على الصعيد الخارجي، ينعكس هذا السلوك المتهور في شكل “دبلوماسية الأزمات”. فقد شهدت فترة وجود السفير الفرنسي ثلاث أزمات كبرى بين البلدين.

يكشف التقرير أن إبقاء التوتر مع فرنسا، واستخدام “العداء لباريس” كأداة سياسية، هو تكتيك متعمد من الجناح الراديكالي في النظام الجزائري للتغطية على الفشل الداخلي ولإسكات أي أصوات معارضة.

هذه العصبية الدبلوماسية لا تعكس قوة، بل تعكس ارتباكاً. فالقادة الواثقون، كما يُلمح التقرير، يبنون استراتيجيات طويلة الأمد، بينما يعتمد تبون على “القرارات الانتقامية” التي قد تضر بمصالح بلاده أكثر مما تنفعها.

خلاصة: لا مكان للمجاملة بعد اليوم

ينتهي تقرير السفير “الصديق للجزائر” بخلاصة مريرة وتوصية حاسمة للإليزيه: “الجزائر الجديدة بُنيت على خنق المجتمع المدني وسد الأبواب في وجه الشباب..

وللتعامل مع هذا النظام، يجب التوقف عن المجاملة واستخدام لغة الحزم والعقوبات”، مقترحاً استخدام سلاح التأشيرات ضد النخبة الحاكمة ومسؤولي النظام.

في النهاية، لا يضعنا هذا التقرير أمام أزمة فرنسية-جزائرية عابرة، بل يضعنا أمام مرآة تعكس أزمة حكم عميقة في الجزائر؛ حيث يدفع شعب شاب وبلد غني بالموارد ثمن عقلية سياسية تحكمها الانفعالات، وتقودها عقدة إثبات الذات، وتُعطل مسيرتها حسابات ضيقة لرئيس يبحث عن شرعية مفقودة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *