المَغْرِبُ وَإِسْبَانِيَا: انْتِصَارُ “الْوَاقِعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ” عَلَى أَوْهَامِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الِاسْتِعْمَارِيَّةِ… أَرَادَ عَزْلَ الرِّبَاطِ فَعَزَلَتْهُ مَدْرِيدُ.. السُّقُوطُ الْمُدَوِّي لِلْيَمِينِ الْمُتَطَرِّفِ فِي الْبَرْلَمَانِ الْإِسْبَانِيِّ

المَغْرِبُ وَإِسْبَانِيَا: انْتِصَارُ “الْوَاقِعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ” عَلَى أَوْهَامِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الِاسْتِعْمَارِيَّةِ… أَرَادَ عَزْلَ الرِّبَاطِ فَعَزَلَتْهُ مَدْرِيدُ.. السُّقُوطُ الْمُدَوِّي لِلْيَمِينِ الْمُتَطَرِّفِ فِي الْبَرْلَمَانِ الْإِسْبَانِيِّ

عبدالقادر كتـــرة

في خطوة كانت تهدف إلى إحراج المغرب وإرباك حكومة بيدرو سانشيز، ألقى حزب “فوكس” اليميني المتطرف بجميع أوراقه التصعيدية دفعة واحدة داخل لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الإسباني.

مقترح الحزب لم يكن مجرد استجواب برلماني عابر، بل كان أشبه بإعلان قطيعة دبلوماسية: مطالبة الرباط باعتراف علني وصريح بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية والجزر، تحت طائلة تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار، واستدعاء السفير الإسباني، وطرد السفير المغربي، بل ووقف منح التأشيرات للمغاربة.

كان اليمين المتطرف يسعى لتحقيق نصر إعلامي عبر استصدار قرار برلماني يضع جغرافيا الخلاف تحت مجهر التصعيد، محاولاً استغلال توترات الهجرة الأخيرة لفرض أجندته. لكن النتيجة جاءت عكسية تماماً؛ فقد اكتشف “فوكس” أن أول جدار يحتاج إلى اختراقه لتمرير خطته ليس في الرباط، بل في قلب العاصمة مدريد.

التصويت الذي شهدته لجنة الشؤون الخارجية كشف عن خريطة سياسية إسبانية تضع مصالح الدولة العليا فوق المزايدات الشعبوية.

الحزب الاشتراكي العمالي وحلفاؤه أسقطوا المقترح بتصويت رافض قاطع، انطلاقاً من إدراك تام بخطورة العبث بملف العلاقات الثنائية.

وفي خطوة لا تقل دلالة، اختار الحزب الشعبي (زعيم المعارضة وأكبر أحزاب اليمين الكلاسيكي) الامتناع عن التصويت، موجهاً رسالة واضحة بأنه يرفض الانجرار وراء مسودة “دبلوماسية انتحارية” قد تورط البلاد في أزمة غير محسوبة العواقب، حتى وإن كان ذلك يفوّت عليه فرصة تصفية حسابات ضيقة مع الائتلاف الحاكم.

هذا السقوط البرلماني يكرس عزلة خانقة لحزب “فوكس” داخل المشهد السياسي الإسباني فيما يخص السياسة الخارجية. النخبة الإسبانية، بمختلف تلاوينها المعتدلة، تدرك أن لغة الإنذارات والشروط المسبقة تنتمي لقاموس استعماري تجاوزه الزمن، ولا يمكن تطبيقه مع دولة بحجم المغرب وثقله الإقليمي.

بعيداً عن قبة البرلمان، تتحدث لغة المصالح الاستراتيجية بصوت أعلى من صخب “فوكس”. إسبانيا العميقة تعي جيداً أن أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي يبدأ من الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق.

المغرب اليوم هو الشريك التجاري الأول لمدريد خارج الاتحاد الأوروبي، والحليف الأمني الذي لا غنى عنه في معادلة تفكيك الخلايا الإرهابية وضبط شبكات التهريب والهجرة.

التحرك نحو أي خطوة عدائية يعني تفكيك هذه الشبكة المعقدة من التعاون، واستدعاء فوضى أمنية واقتصادية لا طاقة لإسبانيا بتحمل كلفتها.

ما حدث في البرلمان الإسباني يبعث برسالة طمأنة لمستقبل العلاقات بين البلدين، مفادها أن “خارطة الطريق” الموقعة في أبريل 2022، والتي أنهت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، لم تعد مجرد تفاهم حكومي عابر، بل تحولت إلى عقيدة “دولة” تحظى بحماية المؤسسات الإسبانية ضد أي هزات أيديولوجية طارئة.

البلدان اختارا ببراغماتية عالية إدارة خلافاتهما التاريخية بهدوء، والتركيز على ما يجمعهما، بدءاً من الاستثمارات الضخمة مروراً بالربط القاري، وصولاً إلى المشروع الطموح للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030. أمام هذا الزخم الاستراتيجي، تبدو محاولات اليمين المتطرف لافتعال الأزمات مجرد زوابع في فنجان، تثبت في كل مرة أن لغة المصالح المشتركة هي وحدها القادرة على صياغة مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *