تَشْدِيدُ الرِّقَابَةِ أَوْ فَرْضُ التَّأْشِيرَةِ عَلَى الْجَزَائِرِيِّينَ… لَا يَجِبُ أَنْ نَغْضَبَ مِنْ قَرَارَاتِ الْمَغْرِبِ السِّيَادِيَّةِ؟ الْمُعَامَلَةُ بِالْمِثْلِ فِي الْعَلَاقَاتِ: الْمَغْرِبُ، الْجَزَائِرُ، وَمَسْؤُولِيَّةُ النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
في الأيام الأخيرة، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية بأخبار، اختلط فيها الحابل بالنابل، حول منع السلطات المغربية دخول المواطنين الجزائريين إلى أراضيها.
الشائعات تحدثت عن طرد تعسفي وإغلاق فوري، ليتضح لاحقاً، وبعد التحقق وتقاطع المصادر، أن الأمر لا يعدو كونه تطبيقاً صارماً لقوانين الدخول والسياحة، يشمل التدقيق في تذاكر العودة، الحجوزات الفندقية، والقدرة المالية للمسافرين.
ومع تزايد التكهنات باحتمالية اتجاه المغرب نحو فرض تأشيرة دخول رسمية على المواطنين الجزائريين، انطلقت حملات من الاستنكار والغضب في بعض الأوساط. لكن، بعيداً عن الانفعالات العاطفية والتجييش الإعلامي، هل يحق لأي طرف أن يلوم الرباط إذا اتخذت هذا القرار؟
– المعاملة بالمثل: قاعدة ذهبية في الدبلوماسية
في العلاقات الدولية، يُعتبر مبدأ “المعاملة بالمثل” أحد أهم ركائز حفظ السيادة وكرامة الدول. وفي السياق المغربي-الجزائري، يجب ألا ننسى أن النظام الجزائري هو من بادر بفرض تأشيرة الدخول على المواطنين المغاربة في سبتمبر 2024.
حين يتخذ المغرب قراراً بتشديد الرقابة الحدودية اليوم، أو حتى إذا قرر فرض التأشيرة غداً، فهو لا يقوم بعمل عدائي مجاني، بل يمارس حقاً سيادياً تكفله الأعراف الدبلوماسية للرد على قرار أحادي الجانب اتخذته الجارة الشرقية.
إن الاستغراب من رد فعل طبيعي ومشروع يُعد تجاهلاً للمنطق الأساسي الذي تُدار به العلاقات بين الدول.
– حماية الأمن القومي ومواجهة تحديات الهجرة
إلى جانب المعاملة بالمثل، لا يمكن فصل الإجراءات المغربية الأخيرة عن السياق الأمني الإقليمي، وتحديداً ما وقع في مدينة سبتة نهاية يوليو الماضي.
لقد وجد المغرب نفسه أمام موجات هجرة معقدة، تضمنت، وفقاً لتقارير إسبانية ومصادر موثوقة، العشرات من الشباب الجزائريين الذين اتخذوا من الأراضي المغربية نقطة عبور نحو أوروبا.
أي دولة تحترم سيادتها وتلتزم باتفاقياتها الدولية في محاربة الهجرة غير النظامية، من واجبها تشديد الرقابة على منافذها الحدودية. التدقيق الذي تمارسه شرطة الحدود المغربية اليوم ليس استهدافاً عرقياً أو سياسياً للمواطن الجزائري، بل هو إجراء أمني وقائي لضمان عدم استغلال أراضيها كمنصة للعبور غير الشرعي.
– مسؤولية النظام العسكري
الأسئلة التي يجب أن تُطرح اليوم بجرأة لا تتعلق بما يفعله المغرب حمايةً لمصالحه، بل بمن أوصل الأمور إلى هذه النقطة المأساوية.
من الذي بادر بقطع العلاقات الدبلوماسية؟ من الذي أغلق المجال الجوي؟ من الذي بدأ بفرض التأشيرة؟ ومن الذي يغذي آلة إعلامية لا تتوقف عن شيطنة الجار؟
الإجابة واضحة وتشير مباشرة إلى النظام العسكري الجزائري الذي اختار التصعيد والقطيعة كمنهجية دائمة للتعامل مع المغرب.
إن المواطن الجزائري البسيط، الذي يجد نفسه اليوم مطالباً بتبرير رحلته، وإثبات قدرته المالية، أو قد يجد نفسه قريباً مضطراً للوقوف في طوابير للحصول على تأشيرة لزيارة جاره، هو في الواقع يدفع فاتورة باهظة لسياسات “قصر المرادية”. هذا النظام، وبدلاً من التركيز على التنمية وبناء تكامل إقليمي يعود بالنفع على الشعبين، استثمر في افتعال الأزمات وقطع أواصر القربى والدم التي تجمع بين شعوب المنطقة.
خلاصة القول، لا داعي للغضب الموجه نحو الرباط؛ فالمغرب يتصرف كدولة ذات سيادة، تزن قراراتها بميزان مصالحها العليا وأمنها القومي، وتتعامل بمنطق دبلوماسي مألوف. الغضب الحقيقي يجب أن يوجه نحو السياسات العدائية والقرارات الانفرادية التي دمرت حلم “المغرب الكبير”، وحوّلت الحدود المشتركة إلى جدران من التوتر والفرقة. الذنب، كل الذنب، يقع على عاتق من اختار القطيعة وأدار ظهره لمنطق التاريخ والجغرافيا.

