الـنِّـيـجَـرُ عَـلَـى خُـطَـى الـجِـوَارِ.. فَـزَّاعَـةُ “الـمُـؤَامَـرَةِ الـخَـارِجِـيَّـةِ” لِـلْـهُـرُوبِ مِـنِ اسْـتِـحْـقَـاقَـاتِ الـدَّاخِـلِ.. صِـنَـاعَـةُ الـوَهْـمِ فِـي نِـيَـامِـي: هَـكَـذَا تَـسْـتَـنْـسِـخُ الـأَنْـظِـمَـةُ الـعَـسْـكَـرِيةُ أَسَـالِـيـبَ تَـبْـرِيـرِ الـفَـشَـلِ
عبدالقادر كتـــرة
شهدت العاصمة النيجرية نيامي مؤخراً تطورات لافتة أعقبت أحداث التمرد ليلة 28 إلى 29 غشت 2026، حيث خرج النقيب “روجيه غابرييل”، قائد الكتيبة الأولى للمظليين، ببيان متلفز يوجه فيه أصابع الاتهام لأطراف داخلية وخارجية.
شملت لائحة الاتهامات ضباطاً من تشاد، ودولاً مثل فرنسا، بنين، وكوت ديفوار، مع الحديث عن اتصالات مزعومة من بلجيكا ودبي لدعم المتمردين عسكرياً.
ورغم خطورة هذه الادعاءات، إلا أنها جاءت مجردة تماماً من أي أدلة ملموسة، لتُطرح تساؤلات جدية حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الخطاب والتوقيت الذي اختير له.
اللجوء إلى نظرية المؤامرة وتوزيع الاتهامات يميناً ويساراً دون إثباتات ليس مجرد رد فعل عشوائي، بل هو تكتيك كلاسيكي وممنهج تلجأ إليه الأنظمة الشمولية والعسكرية كلما ضاق عليها الخناق.
هذا النهج يتقاطع بشكل متطابق مع الأسلوب الذي دأب النظام العسكري الجزائري على استخدامه لعقود.
ففي كل مرة يتصاعد فيها الاحتقان الشعبي أو تلوح في الأفق أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، يتم استدعاء فزاعة “الأيادي الخارجية” والمؤامرات الدولية لترهيب المواطنين.
الهدف من هذه السردية المكررة هو تخوين أي حراك داخلي، شيطنة المعارضة، والهروب من المساءلة، عبر إبقاء البلاد في حالة استنفار دائم تُقدم فيه المؤسسة العسكرية نفسها كحامٍ أوحد للسيادة الوطنية التي يهددها “عدو وهمي”.
تطبيق هذه الاستراتيجية في النيجر يحمل تداعيات عميقة ومقلقة على المنطقة بأسرها، وتبرز خطورتها في عدة مستويات:
– نسف التعاون الإقليمي: توجيه اتهامات عشوائية لدول الجوار كبنين وتشاد يغلق أبواب الحوار ويقوض أي تنسيق أمني مشترك، وهو التنسيق الذي تحتاجه منطقة الساحل بشكل عاجل لمواجهة خطر الجماعات المسلحة المتمددة.
– فضح الهشاشة الداخلية: إقرار السلطات بوجود تمرد تقوده وحدات من داخل الجيش، يكشف عن تصدعات عميقة في بنية المؤسسة العسكرية الحاكمة، مما ينذر بحالة من عدم الاستقرار المزمن واحتمالية وقوع تصفيات وانقلابات مضادة.
– مصادرة القرار الشعبي: استخدام لغة التهديد الخارجي يمنح المجلس العسكري ذريعة مثالية لإسكات المطالب الشعبية بتسليم السلطة للمدنيين، وتحويل الانتباه عن التردي المعيشي والاقتصادي.
خلاصة القول، استمرار الأنظمة في منطقة الساحل في استنساخ هذه الأساليب البالية لن يجلب الاستقرار المنشود.
الأمن والتنمية لا يتحققان عبر اختلاق الأعداء وتصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج، بل عبر بناء مؤسسات ديمقراطية شفافة، وفتح قنوات حوار حقيقية مع الداخل قبل الخارج.
الهروب إلى الأمام باتهامات لا سند لها قد يطيل عمر الأنظمة العسكرية مؤقتاً، لكنه يترك المنطقة بأكملها رهينة لدوامة من العزلة والانهيار.

