زَلَّةٌ لُغَوِيَّةٌ أَمْ اِخْتِرَاقٌ ثَقَافِيٌّ؟ مُصْطَلَحٌ مَغْرِبِيٌّ فِي أَهَمِّ وَثِيقَةٍ جَزَائِرِيَّةٍ يُثِيرُ الْجَدَلَ…. هَفْوَةُ “غُشْتَ” فِي الْجَزَائِرِ… تَضَعُ الْجَرِيدَةَ الرَّسْمِيَّةَ السِّيَادِيَّةَ فِي مَرْمَى السُّخْرِيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
في عصر الفضاءات المفتوحة والسرعة الرقمية، لم تعد الأخطاء الإدارية أو المطبعية تمر مرور الكرام، بل تتحول في غضون ساعات إلى مادة دسمة للنقاش، والسخرية، وأحياناً إلى “معارك افتراضية” طاحنة. هذا بالضبط ما حدث مؤخراً إثر هفوة غير متوقعة ظهرت على واجهة أهم وثيقة سيادية في الجزائر: “الجريدة الرسمية”.
ففي عددها رقم 58 الصادر في شهر أغسطس من العام 2026، تفاجأ المتابعون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي باستخدام مصطلح “غشت” للإشارة إلى الشهر الميلادي (12 غشت سنة 2026 م)، بدلاً من مصطلح “أوت” المتعارف عليه والمعتمد رسمياً وشعبياً في الجزائر.
من خطأ مطبعي إلى “تريند” عابر للحدود سرعان ما التقطت عدسات الهواتف الذكية هذا التفصيل، وتصدرت مقاطع الفيديو والمنشورات منصات مثل “تيك توك” و”إكس” (تويتر سابقاً).
بالنسبة للنشطاء المغاربة، لم يكن هذا مجرد خطأ عابر، بل اعتبروه -في سياق المناكفات الرقمية اليومية بين البلدين- “دليلاً على التأثر الثقافي”، حيث يُعد مصطلح “غشت” التسمية الرسمية والوحيدة للشهر الثامن في المملكة المغربية.
انتشرت التعليقات الساخرة التي تتساءل عن كيفية تسلل هذا المصطلح إلى قمة الهرم التشريعي الجزائري، في وقت تشهد فيه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين جموداً ملحوظاً، ويطغى فيه الحساسية تجاه كل ما هو قادم من وراء الحدود.
أزمة رقابة في دهاليز الإدارة
بعيداً عن صخب “السوشيال ميديا”، يفتح هذا الحادث الباب واسعاً أمام تساؤلات جادة حول آليات العمل داخل المؤسسات الحساسة. الجريدة الرسمية ليست مجرد صحيفة يومية؛ بل هي الوعاء الحصري لنشر القوانين، والمراسيم الرئاسية، والقرارات الحكومية. خروجها بهذا الخطأ يعكس خللاً واضحاً في سلسلة “التدقيق والمراجعة اللغوية والإدارية” داخل الأمانة العامة للحكومة والجهة المسؤولة عن المطبعة الرسمية.
هل هو مجرد خطأ بشري من محرر غير منتبه؟ أم نتيجة استخدام قوالب جاهزة أو برامج ترجمة آلية لم تخضع للمراجعة؟ أياً كان السبب، فإن النتيجة واحدة: إحراج مؤسساتي كان يمكن تفاديه بسهولة لو طُبقت معايير التدقيق الصارمة التي تليق بوثائق الدولة السيادية.
درس في العصر الرقمي
الدرس الأهم من “زوبعة غشت” هو أن المؤسسات الرسمية في أي دولة لم تعد تعمل في غرف مغلقة. كل فاصلة، وكل حرف يصدر عنها، يخضع لرقابة الملايين من العيون المتيقظة خلف الشاشات.
الأخطاء التي كانت تُصحح قديماً بـ”استدراك” بسيط في العدد الموالي، باتت اليوم تُسجل وتُوثق في الأرشيف الرقمي، وتُستغل كذخيرة في حروب الدعاية والبروباغندا.
في النهاية، قد تسارع الجهات المعنية لتدارك الموقف وتعديل النسخ الإلكترونية، لكن الأثر الذي تركته هذه الهفوة يذكرنا بأن الدقة المؤسساتية لم تعد مجرد ترف إداري، بل هي خط الدفاع الأول عن هيبة الدولة ومصداقيتها أمام مواطنيها.. وأمام جيرانها أيضاً.

