عَمَلِيَّةُ “فَانْتُوم”: كَيْفَ أَسْقَطَتْ إِيطَالِيَا شَبَكَةً جَزَائِرِيَّةً عَابِرَةً لِلْحُدُودِ لِتَهْرِيبِ الْبَشَرِ مِنَ الْجَزَائِرِ إِلَى سَرْدِينِيَا؟… تِجَارَةُ الْيَأْسِ بِـ 2500 يُورُو.. لِـ “مَافْيَا” الْهِجْرَةِ فِي شَمَالِ إِفْرِيقْيَا
عبدالقادر كتـــرة
لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد فاصل جغرافي بين قارتين، بل تحول إلى مسرح مفتوح لصراع يومي بين قوات خفر السواحل وشبكات إجرامية تزداد تنظيماً وشراسة يوماً بعد يوم. ولعل الإعلان الأخير للشرطة الإيطالية عن تفكيك شبكة تهريب مهاجرين من الجزائر نحو جزيرة سردينيا، ضمن عملية أُطلق عليها اسم “فانتوم” (Phantom)، يُميط اللثام عن تحولات خطيرة في بنية هذه الشبكات وطرق عملها.
تطور دراماتيكي في عالم التهريب
التفاصيل التي كشفت عنها السلطات الإيطالية عقب توقيف ثمانية جزائريين، تشير إلى أننا لم نعد أمام مهربين تقليديين أو أصحاب قوارب صيد يبحثون عن ربح سريع، بل أمام “مافيا” عابرة للحدود بامتياز.
الشبكة التي كانت تنقل مهاجرين من ميناء القالة الجزائري إلى السواحل الجنوبية لسردينيا، كانت تدار بعقل مدبر يحمل صفة “طالب لجوء” مقيم في إيطاليا، وتتلقى تمويلها من فرنسا، في استغلال صارخ للتسهيلات والقوانين الإنسانية وحرية التنقل داخل فضاء “شنغن”.
الأخطر من ذلك هو تقاطع هذه الأنشطة مع أشكال أخرى من الجريمة المنظمة. فقد أثبتت التحقيقات أن الشبكة كانت تخطط لشراء “قوارب سريعة” لتوسيع نشاطها نحو تهريب المخدرات، وهو ما يؤكد أن تجارة البشر أصبحت جزءاً من اقتصاد أسود متكامل يستخدم نفس الخطوط اللوجستية لتحقيق أقصى قدر من الأرباح.
تجارة اليأس.. أرقام صادمة
أن يدفع شاب في مقتبل العمر مبلغاً يصل إلى 2500 يورو –وهو ثروة صغيرة بمعايير الدخل في دول شمال إفريقيا– مقابل رحلة محفوفة بالموت على قارب صغير يضم 12 شخصاً، يعكس حجم اليأس وغياب الآفاق الذي يدفع هؤلاء الشباب لركوب البحر.
هذه المبالغ الطائلة توضح حجم الأموال التي تضخ في شرايين الشبكات الإجرامية، مما يمكنها من شراء الذمم، تزوير الوثائق، وتوفير الدعم اللوجستي لأعضائها، تماماً كما كانت تفعل خلية الاستقبال والتزوير في سردينيا.
البحث عن طرق بديلة تاريخياً
كانت جزيرة لامبيدوزا الإيطالية هي الوجهة الأولى للمهاجرين. لكن مع تكثيف روما لدورياتها البحرية هناك، وتزايد الضغط الأمني على السواحل التونسية والليبية، بدأت الشبكات الإجرامية تبحث عن مسارات جديدة تخفف عنها الخناق.
هنا برزت السواحل الشرقية للجزائر كنقطة انطلاق، وجزيرة سردينيا كبوابة خلفية جديدة للقارة العجوز. هذا التحول الجغرافي يثبت أن المقاربة الأمنية الصرفة تشبه “لعبة القط والفأر”؛ فكلما أُغلق باب في البحر المتوسط، فُتحت نافذة أخرى أشد خطورة.
ما وراء الحل الأمني
تواصل إيطاليا ومعها الاتحاد الأوروبي تبني مقاربة تعتمد بالأساس على “عسكرة” البحر المتوسط، وتشديد قوانين اللجوء، ومحاولة عقد صفقات مع دول المصدر والعبور لتوطين الأزمة خارج الحدود الأوروبية. ورغم نجاح هذه المقاربة تكتيكياً في تفكيك خلايا مثل شبكة “فانتوم”، إلا أنها تبقى قاصرة استراتيجياً.
طالما استمرت الفجوة التنموية العميقة بين ضفتي المتوسط، وطالما ظل الشباب في دول الجنوب يعانون من البطالة وغياب العدالة الاجتماعية، ستظل هناك دائماً سوق رائجة للمهربين.
القضاء على قوارب الموت لا يبدأ من شواطئ سردينيا أو لامبيدوزا، بل يبدأ بخلق فرص حقيقية ومشاريع تنموية في بلدان المنشأ، تعيد للشباب إيمانهم بالمستقبل على أرضهم، وتجفف منابع اليأس التي تقتات عليها مافيا التهريب.

