الهِجْرَةُ غَيْرُ النِّظَامِيَّةِ كَـ”وَرَقَةِ ضَغْطٍ”…عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى “دُرُوعٍ سِيَاسِيَّةٍ”… هَلْ تَفْتَحُ الْجَزَائِرُ جَبْهَةً جَدِيدَةً ضِدَّ الْمَغْرِبِ؟

الهِجْرَةُ غَيْرُ النِّظَامِيَّةِ كَـ”وَرَقَةِ ضَغْطٍ”…عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى “دُرُوعٍ سِيَاسِيَّةٍ”… هَلْ تَفْتَحُ الْجَزَائِرُ جَبْهَةً جَدِيدَةً ضِدَّ الْمَغْرِبِ؟
عبدالقادر كتـــرة

لم تكد تهدأ عاصفة التوترات الأمنية والإعلامية التي رافقت محاولات “الهروب الجماعي” نحو مدينة سبتة المحتلة، حتى بدأت ملامح جبهة جديدة تتشكل على الحدود الشرقية للمملكة المغربية.
لكن هذه المرة، لا يبدو أن التحرك عفوي أو ناتج عن مجرد إشاعات عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ بل نحن أمام مشهد معقد تتحرك فيه حشود ضخمة من المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، انطلاقاً من الجنوب الجزائري صوب الحدود المغربية. المفارقة هنا ليست في حركة الهجرة بحد ذاتها، بل في التوقيت والجهة التي تُؤطر هذا التحرك وتراقبه.
نهاية أسطورة “التحرك العفوي” في القاموس الأمني، لا يمكن لحشود تضم الآلاف من المهاجرين أن تقطع مئات الكيلومترات في صحراء شاسعة ومراقبة بدقة، دون أن تصطدم بحواجز أمنية، خاصة في دولة كالجزائر تُعرف بقبضتها الحدودية البوليسية الصارمة وانتشار أجهزتها العسكرية الواسع في مناطقها الجنوبية.
لقد أثبتت السلطات الجزائرية في مناسبات سابقة قدرتها الفائقة على تجميع المهاجرين في حافلات وترحيلهم نحو النيجر أو مالي عندما تقتضي مصلحتها ذلك.
لذلك، فإن توثيق تحرك هذه الموجات البشرية باتجاه المجال الحدودي المغربي، وسط مواكبة من سيارات عسكرية جزائرية، يسقط فرضية “العفوية”. نحن هنا أمام ما يُعرف في الجغرافيا السياسية بـ “تسليح الهجرة”، وهو تكتيك تلجأ إليه بعض الدول لتحويل أجساد المهاجرين ومعاناتهم إلى ورقة ضغط سياسي ضد دول الجوار.
وهذا  ما صرحت به الإعلامية والبرلمانية البريطانية السابقة “أليكس فيليبس”، في منشور على صفحتها معزز بفيديو …جاءت فيه: “انتظروا حتى يروا ما سيحدث… قلتُ منذ البداية: إن الجزائر، مع حلفائها المقربين إيران وروسيا، ستستخدم الغزو كسلاح… ها هم آلاف من سكان جنوب الصحراء الكبرى يُرافقهم الجيش عبر الصحراء”
استنساخ الأزمة وتشتيت الجهود
إن القراءة المتأنية لتوقيت هذا التحرك تكشف عن رغبة واضحة في استثمار التداعيات التي خلفتها أحداث سبتة.
فالرسالة السياسية تبدو واضحة: إذا كانت الهجرة قادرة على خلق استنفار أمني وحقوقي وإعلامي غير مسبوق في شمال المغرب، فإن نقل هذا الضغط إلى حدوده الشرقية سيشكل عبئاً مضاعفاً.
الهدف الاستراتيجي من هذا التوظيف هو إدخال القوات العمومية المغربية في “حرب استنزاف ناعمة”، وإجبار السلطات على تشتيت انتباهها ومواردها بين تأمين الواجهة المتوسطية في الشمال، وحماية آلاف الكيلومترات من الحدود البرية المغلقة في الشرق والجنوب.
بين المأساة الإنسانية والمسؤولية الإقليمية بعيداً عن الحسابات السياسية، فإن الخطر الأكبر لهذا التوظيف الممنهج يكمن في البعد الإنساني والأمني.
فدفع آلاف المهاجرين نحو منطقة حدودية مغلقة ومليئة بالخنادق العسكرية، يعني خلق أزمة إنسانية في “المنطقة العازلة”. سيجد هؤلاء المهاجرون، الهاربون من ويلات الحروب والفقر في دول الساحل، أنفسهم عالقين كدروع بشرية في صراع جيوسياسي لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
علاوة على ذلك، فإن هذا التراخي الموجه في ضبط الحدود يمنح قبلة الحياة لشبكات الجريمة المنظمة وعصابات الاتجار بالبشر والمخدرات، التي تنشط بقوة في منطقة الساحل والصحراء، وتنتظر مثل هذه الفرص لتوسيع أنشطتها العابرة للحدود.
خلاصة القول، إن استخدام الهجرة غير النظامية كأداة لتصفية الحسابات السياسية هو لعب بالنار قد يحرق أصابع الجميع.
المغرب، الذي أثبت التزامه كشريك موثوق لأوروبا وإفريقيا في إدارة هذا الملف المعقد، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ مزدوج يتطلب أكثر من مجرد مقاربة أمنية.
هذا الوضع يستدعي يقظة وطنية، وفضحاً دبلوماسياً وحقوقياً لهذه الممارسات أمام المجتمع الدولي.
فاستقرار المنطقة المغاربية لا يحتمل المزيد من العبث، وأوروبا مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لإدراك أن أمن شواطئها يبدأ من استقرار الحدود الشرقية والجنوبية للمغرب، وأن التوظيف السياسي لمآسي المهاجرين هو انتهاك جسيم يجب أن يُدان بشدة، لا أن يُقابل بالصمت.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *