الْجَزَائِرُ: مَسْرَحِيَّةُ الرَّهِينَةِ الْأَلْمَانِيِّ الرَّدِيئَةُ بِالنِّيجَرِ… حَرْبُ النُّفُوذِ فِي مِنْطَقَةِ السَّاحِلِ: هَلْ تَكْفِي “بَيَانَاتُ التَّحْرِيرِ” لِمُوَاجَهَةِ مَشَارِيعِ التَّنْمِيَةِ؟
عبدالقادر كتـــرة
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، برزت مؤخراً حادثة أمنية خطفت أنظار المتابعين؛ إعلان السلطات العسكرية الجزائرية في السابع من أغسطس 2026 عن استلام وتحرير رهينة ألماني يُدعى “سنان أولماسكان”، بعد اختطافه في شمال النيجر لمدة لم تتجاوز الأسبوعين.
البيان الرسمي الذي صاحبه مقطع فيديو للرهينة يشكر فيه السلطات الجزائرية، صُوّر على أنه إنجاز عسكري نوعي في بيئة صحراوية بالغة التعقيد.
لكن، وراء هذا المشهد الإعلامي المكثف، تقفز إلى السطح سلسلة من التساؤلات المشروعة التي تدفعنا لإعادة قراءة الحدث، ليس فقط كعملية أمنية، بل كرسالة سياسية مشفرة في توقيت دقيق.
كواليس عملية استثنائية.. وتساؤلات بلا إجابات من يعرف ديناميات الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، يدرك جيداً أن اختطاف الرعايا الغربيين يمثل “صناعة” تدر ملايين الدولارات، وتُستخدم كورقة ضغط سياسي بامتياز. وعادة ما تمتد فترات الاحتجاز لشهور بل لسنوات، تتخللها بيانات رسمية من الخاطفين ومفاوضات عسيرة.
ما يثير الانتباه في حالة المواطن الألماني هو السرعة القياسية للعملية (أسبوعان فقط)، وغياب أي تبنٍّ رسمي من التنظيمات الإرهابية المعروفة في المنطقة، واكتفاء البيان الرسمي بوصفهم بـ”مجموعة إجرامية”. يضاف إلى ذلك الصمت الدبلوماسي اللافت؛ فلا النيجر التي وقع الاختطاف على أراضيها أصدرت بياناً، ولا برلين سارعت لعقد مؤتمر صحفي لمواطنها، بل تُرِكت الساحة بالكامل للرواية العسكرية الجزائرية وحدها.
هذه المعطيات، إلى جانب التزامن “العجيب” بين تسليم الرهينة والتواجد الدبلوماسي الجزائري في ألمانيا، يجعل من الصعب ابتلاع الرواية كصدفة بحتة.
في لغة الدبلوماسية، تُسمى هذه الأحداث بـ”الهدايا الاستراتيجية” التي تُصنع أو تُستثمر لتعزيز الموقف التفاوضي، وتلميع صورة الدولة كشريك لا غنى عنه في محاربة الإرهاب.
الساحل.. بين المقاربة الاستعراضية والدبلوماسية الهادئة
لا يمكن قراءة هذه الحادثة بمعزل عن حرب النفوذ المشتعلة في منطقة الساحل. الجزائر، التي تعيش تراجعاً واضحاً في تأثيرها الدبلوماسي مع دول الساحل (خاصة مالي والنيجر)، تبدو في أمسّ الحاجة إلى إثبات حضورها.
ومن هنا، يأتي التضخيم الإعلامي لقضية الرهينة الألماني كمحاولة للقول: “نحن هنا، ولا تزال مفاتيح أمن المنطقة بأيدينا”.
على الجانب الآخر من الرقعة، تبرز مقاربة مغايرة تماماً تعتمدها الرباط. فالمغرب، الذي سبق وساهم في تحرير رهائن في ظروف بالغة التعقيد في دول كالنيجر وبوركينا فاسو، يفضل دائماً لغة الدبلوماسية الاستخباراتية الصامتة. عمليات تُنجز بهدوء، بلا ضجيج إعلامي، تاركاً إعلان الشكر للدول الغربية المعنية.
لكن الفارق الجوهري لا يكمن فقط في أسلوب إدارة الأزمات الأمنية، بل في الرؤية الاستراتيجية للمنطقة. بينما تستمر الجزائر في محاولة فرض نفوذها عبر البوابة العسكرية والأمنية الكلاسيكية، نجح المغرب في اختراق العمق الساحلي بمقاربة تنموية اقتصادية شعارها “رابح-رابح”.
ولعل “المبادرة الأطلسية” التي أطلقها العاهل المغربي لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، تمثل أكبر تحدٍ للنفوذ التقليدي في المنطقة، حيث تقدم حلولاً للبنية التحتية والتجارة بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات.
رسائل الحدث وتداعياته: إن إنقاذ حياة أي إنسان هو بلا شك عمل نبيل يحسب لمن قام به، لكن التوظيف السياسي المبالغ فيه للأحداث الأمنية يحمل في طياته دلالات عكسية. فالاستعجال في حصد المكاسب الإعلامية من حادثة غامضة التفاصيل، قد يُقرأ دولياً على أنه مؤشر على “قلق استراتيجي” أكثر من كونه دليل قوة.
دول الساحل اليوم باتت تبحث عن شركاء يبنون معها طرقاً وموانئ ومشاريع تنموية تنتشلها من براثن الفقر الذي يغذي الإرهاب، ولم تعد تكتفي بمن يقدم لها بيانات الشجب أو مسرحيات التحرير.
وفي هذه المعادلة الجديدة، يبدو أن الكلمة الفصل لن تكون لمن يطلق الرصاصة الأخيرة، بل لمن يضع حجر الأساس الأول في طريق التنمية.

