المغرب والاتحاد الأوروبي: توقيع ثلاثة مشاريع جديدة لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية تسعى إلى تحويل هذا التراث العريق إلى مادة حية يستهلكها العالم رقمياً وفنياً في القرن21 ومأسسة “علامة المغرب”
عبدالقادر كتـــرة
“المغرب والاتحاد الأوروبي: توقيع ثلاثة مشاريع جديدة لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية
أشرفت يوم الثلاثاء 26 ماي 2026، بالرباط، إلى جانب سفير الاتحاد الأوروبي بالمغرب، ديميتر تزانتشيف، على توقيع ثلاثة مشاريع جديدة في إطار برنامج دعم الصناعات الثقافية والإبداعية بالمغرب، بشراكة مع “أفريكاليا”، والمعهد الثقافي الألماني “غوته”، ومؤسسة هبة.
تندرج هذه المشاريع في إطار رؤية تجعل من الصناعات الثقافية والإبداعية رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي، من خلال دعم الشباب المبدع، مواكبة المقاولات الثقافية الناشئة، تعزيز التعاون المغربي-الأوروبي، وتوسيع فرص الولوج إلى المعلومة والشبكات المهنية.”
هذا التوقيع يمثل خطوة استراتيجية هامة في تحويل الثقافة من مجرد “قطاع استهلاكي” أو فولكلور ومناسبات عابرة، إلى منظومة اقتصادية منتجة لفرص الشغل وقادرة على فرض الهوية المغربية دولياً. فالمغرب، بروافده الحضارية المتعددة (أمازيغية، عربية، حسانية، أندلسية، إفريقية، وعبرية)، يمتلك مادة خاماً لا تنضب من التراث المعنوي والمادي.
المشاريع الثلاثة الموقعة تم تصميمها لخدمة البنية التحتية الثقافية من خلال تخصصات الشركاء:
– معهد غوته الألماني : يركز غالباً على التكوين المهني، الإدارة الثقافية، والرقمنة. دوره هنا يتجلى في نقل الخبرات وتأهيل الفاعلين الثقافيين المغاربة لإدارة مشاريعهم بمعايير دولية.
– أفريكاليا (Africalia): مؤسسة بلجيكية متخصصة في دعم الإبداع الإفريقي. شراكتها تهدف إلى ربط الصناعات الإبداعية المغربية بعمقها الإفريقي، مما يسهل تسويق المنتجات الثقافية المغربية داخل القارة وخارجها.
– مؤسسة هبة (Fondation Hiba): بصفتها فاعلاً مغربياً محلياً رائداً، توفر المواكبة الميدانية، الفضاءات التقنية (كاستوديوهات التسجيل والسينما)، والدعم المباشر للمقاولات الثقافية الناشئة والمبدعين الشباب.
البرنامج المشترك مع الاتحاد الأوروبي ينتقل بالثقافة من منطق “الدعم والمنح المباشرة” إلى منطق “الاستثمار والمواكبة الاستراتيجية” .
– هيكلة القطاع: تعاني الصناعات الثقافية في العالم العربي وإفريقيا من عائق “العشوائية” أو “العمل غير المهيكل”. هذه المشاريع تساعد على تحويل الموهبة إلى مقاولة مهيكلة قادرة على خلق وظائف مستدامة للشباب.
– القوة الناعمة: دعم السينما، الموسيقى، ألعاب الفيديو، والتصميم الرقمي يتيح للمنتج الثقافي المغربي غزو المنصات العالمية (مثل نتفليكس، سبوتيفاي، ومنصات الألعاب)، وهو أفضل ترويج للسياحة والاستثمار.
– حماية التراث ومواجهة “السطو الثقافي”
نقطة حساسة ومحورية تتعلق بمحاولات السطو على التراث المغربي (سواء تعلق الأمر بالقفطان، الزليج، الكسكس، أو الموسيقى التراثية كالكناوي والأندلسي). من الناحية الاستراتيجية، يخدم هذا البرنامج مع الاتحاد الأوروبي حماية التراث عبر ثلاثة مستويات:
1. الرد بالوجود والإنتاج الرقمي
أقوى رد على محاولات نسب التراث المغربي لغير أهله ليس هو السجال السياسي أو “الحروب الفيسبوكية”، بل هو إغراق السوق العالمية بمنتجات ثقافية مغربية أصلية وموثقة.
عندما تدعم هذه المشاريع شباباً مغاربة لإنتاج ألعاب فيديو مستوحاة من العمارة المغربية، أو أفلام سينمائية تعرض القفطان والتقاليد بجمالية عالية، فإن العالم يتعرف تلقائياً على الأصل، ويصبح من المستحيل على أي جهة أخرى ادعاء ملكيته.
2. التوثيق الأكاديمي والمهني
الشراكة مع مؤسسات دولية مثل معهد “غوته” و”أفريكاليا” تعني إدخال معايير البحث العلمي والتوثيق الأكاديمي في صياغة المشاريع الثقافية. هذا التوثيق يعد حجة قانونية وتاريخية دامغة أمام المنظمات الدولية (مثل اليونسكو والمنظمة العالمية للملكية الفكرية – WIPO).
3. مأسسة “علامة المغرب” (Label Maroc)
تطوير الصناعات الإبداعية يتكامل مع الاستراتيجية الوطنية لحماية الملكية الفكرية. دعم المقاولات الناشئة في مجال الثقافة يدفعها تلقائياً إلى تسجيل براءات الاختراع، وحقوق المؤلف، وعلامات التصميم لمنتجاتها التراثية المطورة، مما يضع درعاً قانونياً يحمي الابتكار المستوحى من التراث من أي قرصنة خارجية.
خلاصة القول، التاريخ العريق للحضارة المغربية، الممتد لقرون من الاستقرار السياسي والمؤسساتي (منذ الأدارسة والمرابطين والموحدين وصولاً إلى العلويين)، هو واقع محصن بالآثار والوثائق والاعتراف الدولي. لكن تحصينه المستقبلي يمر حتماً عبر عصرنته؛ أي تحويل هذا التراث العريق إلى مادة حية يستهلكها العالم رقمياً وفنياً في القرن الحادي والعشرين، وهو ما تسعى إليه هذه المشاريع بدعم من الشريك الأوروبي.

