السنغال: انتخاب ” عثمان سونكو” رئيساً للجمعية الوطنية يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض، إذ تدخل السنغال مرحلة صراع إرادات وتوازن قوى شديد الحساسية

السنغال: انتخاب ” عثمان سونكو” رئيساً للجمعية الوطنية يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض، إذ تدخل السنغال مرحلة صراع إرادات وتوازن قوى شديد الحساسية

عبدالقادر كتـــرة

كما كان متوقعا، تم انتخاب رئيس الوزراء السنغالي السابق المقال “عثمان سونكو”، بعد استعادة عضويته في الجمعية الوطنية، يوم الثلاثاء 26 مايو 2026، رئيساً للبرلمان السنغالي.

وفي خطاب رسمي ألقاه بالمناسبة أعلن “عثمان سونكو”، عن انتخابه رئيساً للجمعية الوطنية في السنغال وذلك بحصوله على 132 صوتاً، ووجه، بالمناسبة، تهانيه الحارة إلى “أحمدو الأمين لو” الذي عُيّن رئيساً لوزراء جمهورية السنغال، وأدلى في حقه بشهادة: “يمكنني أن أشهد بأنه عامل كادح، ورجل كفء ومخلص. ومع ذلك، وإنصافاً للحقيقة، فإن لدينا بعض الخلافات حول بعض القضايا، لا سيما القضية النقدية، وإدارة الديون…”.

ومما جاء في الخطاب:”حتى قبل بضعة أيام، كنت على رأس الحكومة. وحصيلتي هناك دقيقة: الشفافية بشأن الديون المخفية، إعادة التفاوض بشأن المصالح المتضررة للسنغال، رفض إعادة الهيكلة، إضفاء الطابع الأخلاقي على الحياة العامة (محاربة الفساد، ونمط عيش الدولة)، وحماية المجتمع وقيمه من خلال قانون مناهضة المثلية الجنسية…”

كما لم يفته أن يذكر بثقل الأمانة ويستشهد من المرجعية الروحية والأخلاقية، قائلا: “القرآن يعلمنا أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. فالسلطة إذن أمانة، وعبء… وكان الخليفة عمر بن الخطاب يخشى أن يحاسب أمام الله لو تعثرت بغلة بسبب عدم تعبيد الطريق.”

يمثل هذا الخطاب محطة تاريخية في السياسة السنغالية، حيث جاء بعد أربعة أيام فقط من إقالة عثمان سونكو من منصب الوزارة الأولى (رئاسة الوزراء) من قِبل الرئيس “باسيرو ديوماي فاي”.

كما يمثل تحولاً مؤسسياً غير مسبوق في التاريخ السياسي للسنغال، ويعيد صياغة موازين القوى في قمة الهرم الحكومي بناءً على النقاط التالية:

1. عودة الزعيم: من الإقالة إلى رئاسة البرلمان

من خلال تأكيده على أن “إقالة رئيس الوزراء لا تعني اختفاءه السياسي”، صاغ عثمان سونكو نظرية فورية لمرونته وقدرته على الارتداد السياسي.

فرغم إقصائه من السلطة التنفيذية، استغل الأغلبية البرلمانية الساحقة لحزبه للسيطرة على السلطة التشريعية. الرسالة واضحة: يمكن للسلطة التنفيذية عزل رجل، لكنها لا تملك انتزاع الشرعية الشعبية المباشرة.

2- تصدع الثنائية الحاكمة (فاي – سونكو) وأزمة الحوكمة

العبارة الصادمة “لا يمكن صنع ‘باستيف’ بدون ‘باستيف'” التي جاءت في خطاب “سونكو” تسلط الضوء على شرخ علني وعميق داخل المعسكر الرئاسي.

“سونكو” يوجه لوماً مباشراً للرئيس “باسيرو ديوماي فاي” لتسمية رئيس وزراء جديد دون استشارة القاعدة السياسية للحزب الحاكم. ووصفه للأمر بأنه “إخفاق” و”بداية خاطئة” يعد إعادة توجيه للرئيس، وتأكيداً على أن البرنامج الحكومي يظل ملكية أيديولوجية وفكرية للحزب.

3- نهاية “النظام الرئاسي المفرط”: البرلمان كقوة مضادة

تاريخياً، سارت السنغال وفق نظام رئاسي قوي جداً يُعرف بـ”الرئاسوية المفرطة”. أعلن سونكو نهاية هذا العهد متعهداً بألا تكون الجمعية الوطنية مجرد “غرفة تسجيل” لقرارات الرئيس. ستشهد المرحلة المقبلة رقابة صارمة على الحكومة (ميزانيات، لجان تحقيق، محاسبة)، مما يؤسس لحالة “مساكنة سياسية” هجومية داخل بنية الدولة ذاتها.

4- الأخلاق الإسلامية وتقديس المسؤولية

إن إدراج المرجعيات الدينية — كالأية القرآنية ومقولة الخليفة عمر بن الخطاب — يخدم هدفين ذكيين:

أضفاء الشرعية الأخلاقية على الصراع: تقديم رقابة البرلمان على الحكومة ليس كانتقام سياسي شخصي، بل كواجب روحي وأخلاقي أسمى.

التعالي السياسي: وضع نفسه في موقع الحارس الحامي للعدالة والقيم المجتمعية (مذكّراً أيضاً بمشروعه لقانون مناهضة المثلية الجنسية الذي قدمه أثناء وجوده في الحكومة).

خلاصة القول، يدشن هذا الخطاب نموذجاً ديمقراطياً إفريقياً جديداً تُحل فيه الأزمات السياسية الكبرى عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات بدلاً من العنف والشوارع.

ومع ذلك، فإنه يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض؛ إذ تدخل السنغال مرحلة صراع إرادات وتوازن قوى شديد الحساسية، حيث يتعين على رئيس الجمهورية التعامل مع رئيس برلمان قوي للغاية، ومصمم على تقديم “الحقيقة” على “راحة” السلطة التنفيذية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *