حضور وازن ومحوري للمغرب ضمن فعاليات “أسبوع إفريقيا” باليونسكو بباريس ولمشاركته أبعاد ثقافية وتاريخية وجيوسياسية لافتة وكان القفطان المغربي بلا منازع نجم الفعاليات الثقافية
عبدالقادر كتـــرة
خصصت المملكة المغربية بفعاليات “أسبوع إفريقيا” المنعقد في مقر منظمة اليونسكو بباريس، من 19 إلى 22 ماي2026، مساحة واسعة لإبراز الأصالة التاريخية للحرف التقليدية وتوثيق الموروث الثقافي.
وقد شكلت عروض الأزياء منصة مركزية لاستعراض القفطان المغربي، في خطوة تعكس الحرص المؤسساتي المستمر على حماية الملكية الفكرية والتاريخية لهذا التراث، ترسيخاً لاعتراف اليونسكو به وإدراجه في أواخر العام الماضي (دجنبر 2025) ضمن قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي.
فقد سجلت أروقة المعرض هذا الأسبوع توترات واحتكاكات بين الوفدين المغربي والجزائري.
اندلعت هذه التجاذبات على خلفية مضايقات طالت عارضات وممثلي المجتمع المدني أثناء تقديمهم لرموز الثقافة المغربية، مما يعكس بوضوح كيف تتحول قضايا الأرشيف التاريخي، وأصالة الموروث، والتوثيق الحرفي الدقيق إلى جبهات حيوية ومحتدمة في الدبلوماسية الثقافية.
تزامناً مع الشق الثقافي، ركزت الدورة الحالية لليونسكو على موضوع استراتيجي إفريقي يحمل شعار: “ضمان استدامة الماء وأنظمة صرف صحي آمنة لبلوغ أهداف أجندة 2063″. وقد استثمر المغرب هذا المنبر الدبلوماسي لمشاركة مقارباته في إدارة الموارد المائية الكبرى وتطوير البنية التحتية، مؤكداً على تقاطع الأمن المائي مع التنمية المستدامة واستقرار القارة.
ما يشهده أسبوع اليونسكو حالياً هو استعراض قوي للقوة الناعمة المغربية. فالأمر يتجاوز مجرد العرض الفني ليصل إلى صيانة حازمة للأصالة التاريخية للموروث الوطني في محفل أممي، مع تعزيز تموقع المغرب كفاعل محوري يناقش قضايا القارة الاستراتيجية.
وتميزت المشاركة المغربية في أسبوع إفريقيا باليونسكو بتركيزها العميق على تأصيل التراث اللامادي وإبراز العبقرية اليدوية المتوارثة عبر الأجيال، مع التشديد الصارم على الحماية التاريخية لهذا الموروث وتوثيق أصالته.
وقد شكل الرواق المغربي نقطة جذب رئيسية للزوار والدبلوماسيين، حيث برزت عدة منتجات وعناصر تراثية شدت الانتباه بقوة، لعل أبرزها:
– القفطان المغربي: كان بلا منازع نجم الفعاليات الثقافية. عروض الأزياء المخصصة له لم تكتفِ بإبراز البعد الجمالي وتنوع الأثواب والقصات، بل ركزت على التوثيق التاريخي لـ”الصنعة” التقليدية (كالسفيفة والعقاد)، وذلك ترسيخاً لاعتراف اليونسكو الأخير به.
وقد لفتت هذه التفاصيل الدقيقة أنظار الحاضرين كدليل مادي غير قابل للدحض على عراقة هذا اللباس.
– فنون الزليج والزخرفة المعمارية: حظيت الحرف اليدوية الدقيقة باهتمام بالغ، لا سيما “الزليج” الذي يعكس براعة الصانع في تطويع المادة الهندسية وتوثيق الذاكرة البصرية والهندسية للمملكة.
وقد شكل استعراض هذه العناصر المعمارية التقليدية تجسيداً حياً لمدى ارتباط الحرفة بهوية الأرض وتاريخها الطويل.
– المشغولات النحاسية والنقش على الخشب: تم استعراض قطع حرفية فريدة تبرز مهارة الصانع التقليدي في النقش، وهي حرف تجسد استمرارية مدارس التكوين الحرفي العتيقة التي تحفظ الأنماط الزخرفية الأصيلة من الاندثار.
– فن الطبخ التراثي: كجزء لا يتجزأ من القوة الناعمة، شكل المطبخ المغربي، المعترف به عالمياً، محطة تفاعلية لزوار المعرض للتعرف على امتدادات الثقافة المغربية وتنوع روافدها في تفاصيل الحياة اليومية.
إن ما ميز التراث المغربي في هذا الأسبوع الدبلوماسي ليس فقط العرض الفني والجمالي الساحر، بل الحضور المؤسساتي والمدني الذي رافقه، والذي حمل خطاباً واضحاً بضرورة الأرشفة والتوثيق لحماية هذه الحرف العريقة
شهدت مشاركة المغرب في فعاليات “أسبوع إفريقيا” بمقر اليونسكو في باريس (ماي 2026) تفاعلاً واسعاً، وتخللتها عدة تصريحات وشهادات رسمية لمسؤولين مغاربة وأجانب، بالإضافة إلى تفاعلات من المجتمع المدني.
أكد سمير الدهر (السفير المندوب الدائم للمغرب لدى اليونسكو)، في تصريحاته لوكالة المغرب العربي للأنباء على الأهمية البالغة لهذا الحدث، مشيراً إلى أن المغرب حرص على إبراز “التنوع الثقافي الإفريقي بكل أبعاده وفي كامل روعته”.
كما شدد على التركيز المغربي في دورة 2026 على إشراك الشباب الإفريقي بشكل أوسع لتمكينهم من التبادل والتعلم حول قضايا القارة وتحدياتها.
وقدم إسماعيل فريجة (المدير التنفيذي للتواصل وتطوير البرامج بمؤسسة محمد السادس لحماية البيئة)، شهادة حول الحضور المناخي والبيئي للمغرب في المعرض، موضحاً أن رواق المغرب يسلط الضوء على مبادرة “الشباب الإفريقي من أجل التغيرات المناخية” كمنصة فعلية لدعم الشباب في 18 بلداً إفريقياً في مجالات المناخ والتنمية المستدامة.
وأشاد المسؤولون الأمميون بفعاليات الأسبوع الإفريقي والمشاركات الوطنية التي شكل المغرب ركيزة فيها، على رأسهم “آسا شارلوت ريغنير” (المديرة العامة المساعدة لليونسكو) التي وصفت التظاهرة بأنها “لحظة تحتفي بالثقافة والمعرفة والخيال، وتمنح القارة فرصة للتعبير عن تنوعها الإنساني والحضاري”، وهو ما يتماشى مع المعارض الثقافية التي قدمها المغرب.
وأكد :بيير فاي” (رئيس مجموعة إفريقيا لدى اليونسكو) أن هذا الموعد الأممي يشكل منصة أساسية لإبراز طاقات الشباب وغنى الثقافات الإفريقية، والدفع نحو بناء مستقبل منفتح يقوم على تبادل المعارف.
وفي سياق حماية التراث والتوترات التي رافقت عرض الأزياء التراثية، برزت شهادات وتفاعلات واسعة النطاق للمغاربة حيث أدانت البعثة المغربية ما تعرضت له العارضات وممثلو المجتمع المدني المغربي من مضايقات أثناء تقديمهم للقفطان المغربي، مؤكدة أنها شهادة على التحديات التي تواجه حماية التراث.
وتفاعل المغاربة بكثافة مع الحدث، حيث اعتبرت التعليقات والشهادات الموثقة بالفيديو أن الدفاع عن القفطان في اليونسكو يعكس “غيرة وطنية” خالصة ورفضاً قاطعاً لأي محاولة للمساس بالهوية والتراث المغربي الأصيل والمعترف به دولياً.


