السنغال من التصعيد إلى التهدئة: تَغَيُّرٌ واضح في نبرة رئيس وزراء السنغال تجاه المغرب في البرلمان ليؤكد احترام السيادة والقضاء المغربي والتعامل وفق الاتفاقيات الثنائية

السنغال من التصعيد إلى التهدئة: تَغَيُّرٌ واضح في نبرة رئيس وزراء السنغال تجاه المغرب في البرلمان ليؤكد احترام السيادة والقضاء المغربي والتعامل وفق الاتفاقيات الثنائية

عبدالقادر كتـــرة

الانتقال من نبرة المعارضة والخطاب الشعبوي إلى “براغماتية السلطة” هو مسار طبيعي غالباً ما يفرضه واقع العلاقات الدولية بمجرد تولي المسؤولية.

“عثمان سونكو” الذي بنى جزءاً كبيراً من شعبيته على الخطاب الراديكالي الموجه للاستهلاك الداخلي، يدرك الآن من موقعه كرئيس للوزراء أن العلاقات مع حليف استراتيجي كالمغرب لا يمكن إدارتها بمنطق الانفعال أو التصريحات المتسرعة، بل تحكمها ثوابت هيكلية يصعب تجاوزها.

أبرز هذه العلاقات الروابط الروحية والتاريخية حيث تمثل “الطريقة التيجانية” جسراً روحياً وثقافياً متيناً بين البلدين، وهو معطى ديموغرافي واجتماعي لا يمكن لأي مسؤول سياسي في السنغال تجاهله.

المصالح الاقتصادية المشتركة إذ يعد المغرب من أكبر المستثمرين الأفارقة في السنغال، بوجود قوي في قطاعات حيوية مثل الأبناك، التأمين، الاتصالات، والبنية التحتية.

ثم هناك المحور الدبلوماسي الثابت، “محور الرباط-دكار” يعتبر من أكثر المحاور استقراراً في غرب أفريقيا. والسنغال كانت دائماً حليفاً تاريخياً داعماً للسيادة المغربية.

التراجع عن الإشارة الملتبسة لـ “55 دولة” (والتي كانت تلميحاً مستفزاً دبلوماسياً) والعودة إلى لغة القانون الدولي عبر التأكيد على احترام السيادة والقضاء المغربي، يثبت أن الدبلوماسية السنغالية العريقة ومؤسسات الدولة العميقة هناك نجحت في ضبط إيقاع خطاب سونكو، وإعادته إلى سكة “الواقعية السياسية” .

ما حدث في الأسابيع الماضية، رغم قصر مدته، شكل “اختبار إجهاد” حقيقي للعلاقات المغربية-السنغالية، وكشف بوضوح عن آليات الاستقطاب الإقليمي، وتحديداً محاولات توظيف الأزمات العابرة في صراعات جيوسياسية أوسع.

1. السلوك الجزائري: استراتيجية “اغتنام الأزمات” واختراق المعاقل.

محاولة الآلة الإعلامية والدبلوماسية الجزائرية تضخيم الخلاف لتكون “سنغالية أكثر من السنغاليين” لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تندرج ضمن عقيدة “المحصلة الصفرية” التي تحكم تحركات قصر المرادية تجاه الرباط، وتستند إلى حسابات واضحة.

– البحث عن موطئ قدم في الغرب الأفريقي: تدرك الجزائر أن السنغال هي القلعة الأهم والنقطة المركزية في النفوذ المغربي في غرب إفريقيا. محاولة استمالة عثمان سونكو بخطابه “الثوري” كانت تهدف إلى إحداث شق في هذا المحور التاريخي، لتعويض التراجع الدبلوماسي الجزائري في دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو).

– مواجهة المبادرة الأطلسية: مع تزايد الزخم حول المبادرة المغربية لدول الساحل للوصول إلى المحيط الأطلسي، سعت الجزائر لاستغلال الأزمة لضرب الثقة بين المغرب وأهم حلفائه الأطلسيين، أملاً في إجهاض أو عرقلة المشاريع الاندماجية الكبرى (بما فيها أنبوب الغاز النيجيري-المغربي الذي يمر عبر السنغال).

– سوء تقدير “الخطاب السيادي”: راهنت الجزائر على أن الخطاب السيادي والمناهض للتدخل الأجنبي الذي يتبناه سونكو سيقوده حتماً لصدام مع حلفاء السنغال التقليديين. لكنها أخطأت في تقييم الفارق بين مناهضة “الاستعمار الجديد” (الذي يوجهه سونكو عادة لفرنسا) وبين العلاقات البينية الأفريقية القائمة على رابح-رابح مع المغرب.

2. مستقبل السنغال والمغرب: انتصار “الدولة العميقة” والبراغماتية

تراجع سونكو وتهدئته يمثلان نقطة مفصلية في مساره السياسي كرجل دولة، ويحملان دلالات عميقة لمستقبل البلدين:

– مناعة المؤسسات السنغالية: أثبتت السنغال أن مؤسساتها (الخارجية، القضاء، الرئاسة ممثلة في ديوماي فاي، والمرجعيات الدينية) تملك من الثقل ما يكفي لفرملة أي اندفاع شعبوي. العلاقات مع المغرب ليست ملفاً حزبياً، بل هي “عقيدة دولة” في دكار.

– الانتقال إلى “الفاعل الرشيد”: أدرك سونكو سريعاً أن تدبير الشأن العام يختلف عن إدارة الحملات الانتخابية.

الاقتصاد السنغالي، المعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الخارجية المباشرة (التي يشكل المغرب جزءاً حيوياً منها في قطاعات البنوك والتأمين والزراعة)، لا يتحمل أزمات دبلوماسية مجانية.

– تأطير الخلافات مستقبلاً: هذه الأزمة ستدفع البلدين إلى تأسيس قنوات اتصال سياسية وأمنية أكثر مرونة للتعامل مع “الحوادث العرضية” (مثل قضايا المشجعين أو الهجرة) قبل أن تتحول إلى مادة دسمة للإعلام والاستقطاب الإقليمي.

خلاصة القول، خروج المحور المغربي-السنغالي سالماً من هذا المطب يمثل انتكاسة لمحاولات العزل الإقليمي.

لقد تعززت القناعة في الغرب الأفريقي بأن المشاريع الهيكلية الكبرى والشراكات الاقتصادية المستدامة تتفوق على المناورات السياسية الظرفية. هذا التطور يعزز من موقع دكار كشريك موثوق في الاستراتيجية الأطلسية للمغرب، ويدفع الجزائر إلى إعادة حساباتها بعد فشل الرهان على تغيير جذري في البوصلة الدبلوماسية للقيادة السنغالية الجديدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *