فرنسا: مع الجزائر علاقة عمودية مبنية على الضغط والصرامة، لكن مع المغرب علاقة أفقية مبنية على الندية الجيواقتصادية والشراكة والتحضير لتوقيع “معاهدة الصداقة” الاستراتيجية
عبدالقادر كتـــرة
قراءة في التباين الدبلوماسي الفرنسي المغاربي.
قراءة دقيقة للمشهد الدبلوماسي الذي شهدته المنطقة في منتصف مايو 2026، تكشف عن مفارقة صارخة في تعاطي الإليزيه مع جيرانه في شمال إفريقيا. هذا التباين الميداني ليس مجرد صدفة بروتوكولية، بل هو ترجمة فعلية لعقيدة جيوسياسية فرنسية جديدة أعادت تقييم أوزان القوى الإقليمية.
أولاً: المسار الجزائري.. إدارة الأزمات والمقايضة القانونية
زيارة وزير العدل الفرنسي “جيرالد دارمانان” إلى الجزائر، مصحوباً بوفد قضائي استثنائي يضم المدعية العامة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة والمدعي العام المالي، تتجاوز بأشواط مفهوم “التعاون” الدبلوماسي التقليدي. انطباع “إعطاء الأوامر” الذي أشرت إليه ينبع مباشرة من طبيعة الملفات المطروحة وحالة عدم التكافؤ الاستراتيجي في التفاوض.
تدرك باريس حاجة السلطة الجزائرية الملحة لتحقيق نصر سياسي داخلي عبر “استرجاع الأموال المنهوبة” (التي يقارب عدد ملفاتها المائة طلب). في المقابل، تضع فرنسا شروطها الصارمة على الطاولة، وعلى رأسها التدخل المباشر للإفراج عن الصحفي الفرنسي المسجون “كريستوف غليز”.
هذا النهج يعكس تفاعلاً يعتمد على المعاملات الظرفية الخشنة. ففرنسا تمتلك مفاتيح الأرصدة والممتلكات المجمدة في أوروبا، وتستخدمها كورقة ضغط صريحة لتوجيه قرارات حساسة، مما يبقي العلاقات أسيرة لهواجس الاحتواء الأمني والتوترات المستمرة بدلاً من التنمية.
ثانياً: المسار المغربي.. الشراكة الأفقية والموثوقية الاستراتيجية
على النقيض تماماً، يتخذ التحرك الفرنسي تجاه المغرب طابعاً مستقبلياً مبنياً على الشراكة المؤسساتية، خاصة مع تفعيل لجان التحضير لتوقيع “معاهدة الصداقة” الاستراتيجية.
من جهة، التوجه الفرنسي للبحث عن شراكات وتجارب مغربية في مجالات سيادية فائقة الحساسية كالأمن السيبراني يحمل دلالات جيواقتصادية عميقة.
هناك انتقال فعلي من عقلية “المُصدِّر والمتلقي” إلى عقلية البناء المشترك. السعي الفرنسي للانخراط التكنولوجي مع الرباط هو اعتراف عملي بنجاعة وتطور البنية التحتية الأمنية والاستخباراتية والرقمية للمملكة.
من جهة أخرى ، الأمن السيبراني يتطلب درجات قصوى من الثقة المتبادلة وتشارك البيانات الحساسة. انخراط فرنسا في هذا المسار يؤكد أن الإليزيه لم يعد ينظر إلى المغرب كمجرد سوق كلاسيكي، بل كقوة إقليمية صاعدة، وشريك أمني هيكلي، وبوابة موثوقة لإدارة التحولات الرقمية في القارة الإفريقية.
خلاصة الميدانية، لقد حسمت باريس خياراتها الإقليمية متبنية مسارين لا يتقاطعان: مسار يُدار بـ الاحتواء القانوني والسياسي للتعامل مع ارتدادات الأزمات الداخلية المتتالية في الجزائر، ومسار يقوم على التكامل الاستراتيجي مع المغرب لبناء تحالفات متينة ومستدامة في قطاعات اقتصاد الغد.

