معهد البعث الإسلامي في وجدة: حيث يموت الأمل وتُدفن العقول تحت هدير الخطباء
في مدينة وجدة التي باتت ساحة مفتوحة لتجارب الدين التي لا تنتهي، وكأننا في مسابقة من يبني مركزاً دينياً أكثر غرابة من الآخر. ومن يتباهى ببناء مسجد مزخرف لا مثيل لجملياته ومن ومن ومن ؟
وفي ذات السياق إليكم هذه المفارقة العجيبة التي تستحق التوقف عندها، تابعنا قبل يومين جيش هائل من الخطباء والفقهاء تم تجييشهم وتعبئتهم بحرفية عسكرية مثيرة للإعجاب، لتدشين نشاط خاص لمركز خاص ، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لكن الغريب أن تابعي وموظفي هذه الوزارة الوصية على القطاع الديني كانوا في قلب الاحتفال، يتزاحمون مثل تلاميذ في رحلة مدرسية، بحضور والي جهة الشرق عامل عمالة وجدة أنجاد .
وفي لقطة لا تخلو من طراوة كوميدية، يتقدم المسؤول الأول عن المشروع مصطفى بن حمزة رئيس المجلس العلمي لجهة الشرق ليلقي كلمة دون ان يشير إلى الشركاء المؤسساتيين لمشاريع ” المحسنين ” ، وهو ما عقب عليه الوالي العطفاوي الذي ظهر عليه وانه لا بريد تفويت فرصة تصحيح هفوة بن حمزة بتذكيره بأن مشاريع هؤلاء المحسنين تنجز بشراكة مع المؤسسات العمومية .
لكن دعونا نطرح الأسئلة التي نتمنى أن يكون للسيد بن حمزة سعة صدره وخاطره الكبيرين لتقبلها، فنحن لا نرمي حجارة في بحر، بل نحاول فقط إضاءة بعض الزوايا المظلمة.
أولاً، ما بالنا نريد معهداً جديداً للبعث الإسلامي، وهناك أصلاً معهد للبعث الإسلامي يقع في قلب مدينة وجدة؟ هل يعاني المعهد القديم من زحام الطلاب؟ أم أن الأمر مجرد نزوة عقارية لاستثمار أراضي مخزنية كانت تنتظر من يبعثها إسلامياً؟ السؤال الأهم: ماذا سيتخرج من هذا المعهد الجديد؟ هل سنحصل على جيل جديد من الخطباء والفقهاء الذين سيزاحمون مئات الخريجين سنوياً من كلية الآداب شعبة الدراسات الإسلامية؟ أليست تلك الكلية تخرج سنوياً مئات الطلاب الذين يحفظون القرآن والحديث والفقه والأصول، ثم يتحول أغلبهم بعد التخرج مباشرة إلى باعة نعناع في الأسواق الشعبية؟ أنا لا أستهين بالنعناع، فهو نبتة طيبة وعطرها زاك، لكن أليس من الأجدى أن نفتح لهم معهداً لتعليم العلوم والتكنولوجيا الحديثة بدلاً من تعليمهم فروقاً فقهية بين وضوء ووضوء هناك من يقوم بهذه المهمة على أحسن وجه؟
من سيراقب البرامج الدينية ومعايير ولوج هذا المركز؟ من سيشرف على المناهج؟ هل هناك لجنة مستقلة؟ أم أن الأمر سيترك لاجتهادات فردية خاصة..
أما السؤال الأكثر إيلاماً: ألم يكن من الجدير والمفيد مائة مرة أن يتم بناء معهد للعلوم التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في هذه الأرض المخزنية؟ تخيلوا معي عشرات الآلاف من الطلبة العاطلين عن العمل من خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية، ينتظرون فرصة عمل تليق بمؤهلاتهم، وفي المقابل شركات التكنولوجيا العالمية تبحث عن أي شباب مغاربة يبرمجون روبوتات ومحتويات خوارزمية لكن لا، نحن نفضل أن نخرج فقيهاً جديداً يشرح لنا نواقض الوضوء وحكام الحيض والنيفاس.
مدينة وجدة التي تعج بالفعل بالمحسنين الله يبارك، تحتاج اليوم إلى محسن يبني معهداً لتعليم البرمجة، وليس مركزاً دينياً خامساً أو سادساً. تحتاج إلى رجل يجرؤ على قول: “لنوقف نزيف البطالة بين خريجي الشريعة، ولنوجه أموالنا نحو مستقبل يستحق العيش فيه”. لكن يبدو أن بعض المحسنين انشغلوا ببناء القباب ونصب المآذن، متناسين أن العقول أيضاً تحتاج إلى بناء، وأن الدين ليس حكراً على المباني الضخمة والاحتفالات المهيبة، بل في تعليم الناس كيف يواجهون تحديات القرن الحادي والعشرين بسلاح العلم والعمل .

