النظام السوري الرسمي الجديد يهدد نظام العسكر الجزائري بعرض الضباط الجزائريين ومقاتلي البوليساريو على الإعلام وتورطهمم إذا لم يتوقف سياسيو الجزائر عن مهاجمته
عبدالقادر كتــرة
واحدة من أعقد وأخطر الملفات الدبلوماسية والأمنية الصامتة في المنطقة مؤخراً، إذ الحديث عن “تهديد النظام السوري الجديد ل”فرنسا الشمال إفريقية” (قصر المرادية) بعرض ضباط جزائريين في الإعلام” ليس مجرد مناوشة إعلامية عابرة، بل هو مؤشر على انفجار الغطاء الجيوسياسي الذي كان يحمي تحالفات المنطقة بعد الزلزال الذي ضرب دمشق أواخر عام 2024 وسقوط نظام بشار الأسد.
بعد الانهيار السريع لجيش النظام السوري السابق ودخول فصائل المعارضة بقيادة “هيئة تحرير الشام” إلى حلب ودمشق، تسربت تقارير استخباراتية وإعلامية دولية (منها ما نقلته إذاعة مونت كارلو الدولية ووسائل إعلام سورية جديدة) تفيد بإلقاء القبض على مئات العناصر الأجنبية التي كانت تقاتل إلى جانب الأسد.
وتشير التقارير إلى أن وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف قاد مساعي ومفاوضات مع القيادة السورية الانتقالية الجديدة (برئاسة أحمد الشرع/أبو محمد الجولاني) بهدف إطلاق سراح معتقلين عسكريين جزائريين وعناصر من البوليساريو تم أسرهم في محيط حلب.
القيادة السورية الجديدة رفضت بشكل قاطع تسليم هؤلاء الأسرى (الذين قيل إن بينهم ضباط برتب رفيعة كـ”لواء”)، وأصرت على أنهم خرقوا السيادة السورية وشاركوا في عمليات عسكرية ضد الشعب، وبالتالي سيخضعون للمحاكمة وفق القوانين الدولية لأسرى الحرب.
في المقابل، خرجت وزارة الخارجية الجزائرية ببيانات شديدة اللهجة تنفي فيها هذه الأخبار جملة وتفصيلاً كما عادة النظام العسكري الجزائري الخبيث والمارق، واصفة إياها بـ”الأكاذيب والافتراءات” التي تطبخها أجهزة “المخزن” (المغرب) لتشويه سمعة الجيش والدبلوماسية الجزائرية.
الإصرار السوري على إبقاء هذا الملف حياً، والتهديد بورقة “العرض الإعلامي”، يحمل أبعاداً وظيفية خطيرة أهمها بحث النظام السوري الجديد عن شرعية دولية وعربية. هو يعلم أن الجزائر كانت من أشد المتمسكين بنظام الأسد وعودته للجامعة العربية.
والتهديد بعرض الضباط هو “فرملة” (كبح) لأي مساعٍ جزائرية للتحريض ضد النظام الجديد أو تصنيفه كـ”نظام إرهابي”، وإجبار قصر المرادية على الاعتراف بالأمر الواقع في دمشق.
من جهة ثانية، عرض هؤلاء الضباط – إن حدث – لن يكون مجرد إحراج للجزائر، بل ستحاول دمشق الجديدة استخدامه كوثيقة إدانة دولية ضد المحور الإقليمي الذي دعم النظام السابق (إيران، روسيا، والوكلاء المحليين)، وتصدير القضية إلى المحاكم الدولية لإثبات خطوط التمويل والقتال الأجنبي.
تاريخياً، كانت العقيدة العسكرية للجيش الجزائري تمنع القتال خارج الحدود. لكن التعديل الدستوري الأخير (عام 2020) سمح للجيش بالمشاركة في مهام خارجية تحت غطاء أممي أو إقليمي.
وجود ضباط في سوريا خارج هذا الغطاء يمثل خرقاً قانونياً ودستورياً يضع القيادة العسكرية في مأزق أمام الرأي العام الداخلي.
إذا تدحرجت كرة الثلج وقام التلفزيون السوري الرسمي ببث اعترافات أو عرض ضباط وجنود ببدلاتهم العسكرية وهوياتهم الجزائرية، فإن التداعيات ستكون كارثية على عدة مستويات:
1. على المستوى الداخلي الجزائري (أزمة ثقة حادة)
الرأي العام الجزائري، رغم انقساماته، حساس جداً تجاه دماء أبنائه وتجاه فكرة توريط الجيش في حروب أهلية عربية. عرض الضباط سيخلق أزمة ثقة غير مسبوقة بين الشارع والقيادة العسكرية (التي يمثلها قصر المرادية وقيادة الأركان).
ستتعالى الأصوات للمطالبة بمحاسبة من اتخذ قرار إرسال قوات نظامية أو غض الطرف عن سفر مقاتلين إلى مستنقع صراعات خارجي دون علم البرلمان أو الشعب.
2. على المستوى الدبلوماسي والإقليمي
ستفقد الجزائر ورقة “أخلاقية الدبلوماسية” التي طالما دافعت عنها (مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول).
سينظر المجتمع الدولي للجزائر كطرف مباشر في تأجيج الصراع السوري، مما يضعف موقفها في ملفات إقليمية أخرى كليبيا والساحل.
ثبوت وجود مقاتلي الجبهة في سوريا إلى جانب جيش نظامي انهار، سيعطي المغرب “الهدية الثمينة” التي كان ينتظرها لإقناع القوى الكبرى (أمريكا، الاتحاد الأوروبي) بتصنيف البوليساريو كمنظمة “مرتزقة عابرة للحدود” ترتبط بملفات الإرهاب والحروب بالوكالة، وليس حركة تحرر سياسي. هذا قد ينهي الملف دولياً لصالح مقترح الحكم الذاتي المغربي وبسرعة فائقة.
3. على مستوى العلاقات الأمنية في الساحل
هؤلاء المقاتلون (سواء من الجيش أو البوليساريو) الذين يكتسبون خبرات في حروب العصابات والمدن بسوريا، في حال عودتهم أو فرارهم نحو الجنوب (مالي والنيجر)، سيتحولون إلى قنابل موقوتة. الجزائر ستجد نفسها محاصرة بجيل جديد من العسكريين والميليشيات المحبطة والغاضبة، التي تملك التكتيك والسلاح، مما قد ينقل الفوضى من الساحل إلى العمق الجزائري نفسه.
خلاصة القول، التهديد السوري بملف الضباط هو بمثابة “مسمار جحا” الجيوسياسي المزروع في خاصرة قصر المرادية.
الصمت الرسمي الجزائري أو الاكتفاء بالنفي الإعلامي يعكس حجم الحرج الاستراتيجي؛ فالمنطقة أصبحت محكومة بمعادلات جديدة لا ترحم التحالفات التقليدية القديمة.

