السلطات الإسبانية تستأنف طرد الجزائريين غير النظاميين وسط تسوية أوضاع مهاجرين من دول أخرى حصلوا على سجلات عدلية من سفارات وقنصليات بلدانهم
عبدالقادر كتـــرة
من المنتظر أن تشرع الشرطة الوطنية الاسبانية في ترحيل الحراڭة الجزائريين (المهاجرين غير الشرعيين) بعد عدة أشهر من الصراع مع هذا البلد نتيجة للصدام الدبلوماسي بسبب تغيير موقف إسبانيا تجاه قضية الصحراء المغربية.
وقد حصلت جريدة ABC الاسبانية التي نشرت الخبر في مقال بقلم”بورخا مينديز” بتاريخ 16مايو 16/05/2026، على وثيقة من المفوضية العامة للهجرة والحدود تُضفي الطابع الرسمي على هذا السيناريو الجديد، الذي يأتي في خضم “عملية تقنين أوضاع المهاجرين غير النظاميين” الجارية ، وقد يُفضي إلى إضفاء الشرعية على وضع آلاف الجزائريين في إسبانيا.
الوثيقة، المؤرخة في 4 مايو، موجهة إلى جميع قيادات الشرطة العليا وتتعلق بـ”استئناف عمليات الترحيل إلى الجزائر”، حسب نفس المصدر.
وتبدأ الوثيقة بالقول: “بعد مفاوضات مطولة بين هذه المفوضية العامة وإدارات أخرى في وزارة الداخلية ، تم حل الوضع الذي كان يعيق ترحيل المواطنين الجزائريين المقيمين في البلاد بصورة غير قانونية”.
“فور استلام هذه الوثيقة، يجوز طلب احتجاز الأفراد من أصل جزائري في مراكز احتجاز الأجانب، إذا رأت السلطات القضائية المختصة أن ترحيلهم مناسب.
ونظرًا لاستئناف عمليات الترحيل هذه، كما جرت العادة، ستشرف وحدة الترحيل المركزية على مكان الاحتجاز، وميناء المغادرة للعمليات، والحد الأقصى لعدد المحتجزين في أي وقت وفي أي ظرف من الظروف”.
وتؤكد الوثيقة أن نقل الأجانب المحتجزين لإيداعهم في مراكز لطردهم لاحقاً من التراب الوطني يظل “إلزامياً، على الرغم من تغير بعض الظروف المحيطة به”. ويضيف النص أن “القيادات العليا، من خلال الفرق الإقليمية للأجانب والحدود، ستكون مسؤولة عن تنفيذ عمليات النقل بناءً على توجيهات الوحدة المركزية للترحيل، ولتحقيق ذلك سيتم توفير الموارد البشرية والمادية اللازمة لتنفيذ هذا النشاط مجدداً”.
وتختتم المذكرة، الموقعة باسم “جوليان آفيلا بولو”، المفوض المسؤول عن هذه المهمة: “ستقوم هذه الوحدة بتوزيع عناوين البريد الإلكتروني لاستلام وإرسال وثائق هؤلاء الأشخاص، وعناوين البريد الإلكتروني القنصلية لإجراء مقابلات تحديد الهوية عبر الفيديو (والتي كانت تتم سابقاً بشكل شخصي)”.
تتركز واحدة من أكبر الجاليات الجزائرية في إسبانيا في مقاطعة أليكانتي. وفي هذا المكان تحديداً، شوهدت طوابير طويلة من المهاجرين المهتمين بمعرفة المتطلبات الأساسية لتقنين أوضاعهم في إسبانيا بفضل عملية التسوية الجديدة للمهاجرين التي شجعتها حكومة بيدرو سانشيز.
وقد اضطرت الشرطة الوطنية، حسب الجريدة الاسبانية، إلى نشر تعزيزات أمنية كبيرة في محيط المقار الرسمية الجزائرية لأن أوقات الانتظار أدت إلى توتر الوضع.
وفي بعض اللحظات، حدثت تدخلات أمنية طفيفة لمنع الإخلال بالنظام العام. والسبب أن العديد من هؤلاء الأشخاص كانوا ينتظرون للحصول على شهادة السجل العدلي، وهو شرط أساسي للولوج إلى هذه العملية.
في نفس السياق، قامت إسبانيا ، في الأسبوع الماضي، بتسليم خمسة أطفال جزائريين كانوا قد وصلوا على متن قارب صغير العام الماضي إلى جزر البليار.
وأعلنت عن هذا الترحيل رئيسة الإقليم مارغاريتا بروهينس، حيث تمت إعادتهم إلى عائلاتهم في وهران بموجب اتفاق بين مدريد والجزائر العاصمة.
وأثار هذا القرار القضائي بعض الجدل بسبب صغر سن المعنيين دون أن يثير أي توتر دبلوماسي بين البلدين، فالعلاقات تمر بأفضل أوقاتها بعد تجاوز الصراع الذي نتج عن التغير في موقف إسبانيا بشأن الصحراء المغربية، والذي أدى حينها إلى موجة من قوارب الهجرة في ظل تقاعس السلطات الجزائرية.
لطالما كانت عمليات ترحيل المهاجرين من أكثر النقاط الساخنة التي يتعين على متخصصي الشرطة الوطنية التعامل معها، حيث ينقلون هؤلاء الأشخاص إلى مراكز الاحتجاز (CIE) حيث ينتظرون السفر إلى بلدانهم الأصلية. ومع ذلك، غالباً ما يجدون أن هذه المراكز ممتلئة ولا تقبل المزيد من الأشخاص، لينتهي المطاف بهؤلاء الأفراد في الشوارع.
تتزامن.عمليات الترحيل مع قانون أو مرسوم لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا (وهو مطلب حقوقي لطالما نادت به المنظمات الإسبانية لدمج العمالة غير الموثقة). هذا يفسر التناقض الظاهري بين “الترحيل” و”التسوية”.
ويسلط هذا المشهد الضوء على الثمن الإنساني للتقلبات الدبلوماسية. المهاجرون، سواء كانوا قاصرين (كالأطفال الخمسة الذين تم ترحيلهم إلى وهران في خطوة تثير الكثير من علامات الاستفهام الحقوقية حول اتفاقيات حماية الطفل)، أو بالغين يبحثون عن فرصة لتسوية وضعياتهم، يجدون أنفسهم بيادق في رقعة شطرنج سياسية بين مدريد، والجزائر، والرباط.
إن مشهد الطوابير أمام قنصلية الجزائر في أليكانتي يعكس رغبة عارمة لدى فئة واسعة من المهاجرين في الاندماج القانوني والاجتماعي في إسبانيا. إلا أن تحول وزارة الداخلية الإسبانية نحو تسريع عمليات الترحيل يبعث برسالة مزدوجة: “إسبانيا تفتح أبوابها لمن يملك سجلاً عدليا نظيفاً ويفيد الاقتصاد، وتضرب بيد من حديد – بمساعدة دول المنشأ – لطرد من فشل في ذلك”.
في النهاية، يبدو أن استقرار سياسات الهجرة الإسبانية سيظل دائماً خاضعاً لمدى توازن علاقات مدريد مع جارتيها المتنافستين: المغرب والجزائر. أي ميل لكفة على حساب أخرى سينتج عنه مباشرة “أزمة قوارب” أو “أزمة ترحيل”.

