البابا ليون 14″ انتقد بشدة النظام الجزائري ويؤدبه وتحدث بصوت المنظمات الحقوقية والمضطهدين ووجه رسالة مناصحة قوية وطالب بتأسيس مجتمع مدني حيوي وحر
عبدالقادر كتـــرة
لقن البابا “لاوون الرابع عشر” للنظام العسكري الجزائري، الاثنين الماضي، درسا قاسيا في الديمقراطية، وانتقد بشدة وصراحة مباشرة وضع الحريات في الجزائر، داعيا سلطات الجزائر إلى تفعيل المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاقتصادية، وإلى تعزيز حرية المجتمع المدني.
ودعا البابا ليون الرابع عشر (في زيارته التاريخية للجزائر في أبريل 2026) إلى “العفو” و”المصالحة” كسبيل لبناء مستقبل يسوده السلام.
وفي خطابه الذي ألقاه بالإنجليزية أمام حشد من المسؤولين، من بينهم الرئيس عبد المجيد تبون”، ركز على النقاط التالية المتعلقة بكرامة الإنسان وحقوقه.
– حرمة كرامة الإنسان: شدد البابا على أن كرامة الإنسان “لا يجوز انتهاكها”، وأدان استغلال حياة البشر لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
– رفض العنف والقمع: أكد أن الرموز والكلمات الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى “لغات تجديفية من العنف والقمع”، داعياً إلى تجاوز الصراعات والأحقاد التي تتراكم عبر الأجيال.
– تعزيز المجتمع المدني الحر: حث السلطات الجزائرية على عدم الخوف من الانفتاح، والعمل على تعزيز “مجتمع مدني حيوي وديناميكي وحر”، يتم فيه تمكين الشباب والمهمشين للمشاركة في بناء المستقبل.
– السلام القائم على العدل: أوضح أن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب للنزاع، بل هو تعبير عن العدل والكرامة، داعياً إلى إزالة “أسباب اليأس” ومواجهة المستغلين لآلام الآخرين.
يُذكر أن منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش كانت قد حثت البابا قبيل الزيارة على إثارة قضايا محددة مع السلطات، تشمل حرية التعبير، وحرية المعتقد للأقليات الدينية، ووقف الترحيل الجماعي للمهاجرين.
ما قاله البابا يُعد “مؤاخذة دبلوماسية مبطنة” ورسالة مناصحة قوية تعكس بوضوح مخاوف المجتمع الدولي بشأن حقوق الإنسان في الجزائر.
تعتمد الدبلوماسية البابوية دائماً على تمرير الرسائل السياسية والحقوقية المعقدة عبر غلاف أخلاقي ورعوي، لتجنب إحداث قطيعة أو أزمة دبلوماسية مع الدولة المضيفة. إليك كيف تُترجم نقاط خطابه كاستجابة فعلية للواقع الحقوقي:
ودعا الخطاب البابوي السلطات لعدم الخوف من الانفتاح وتأسيس “مجتمع مدني حيوي وحر”.
هذه النقطة هي المؤاخذة الأبرز للقيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع.
البابا وجه رسالة ناعمة ولكن حازمة للسلطات بأن القمع وتضييق الخناق على النشطاء والصحفيين ينبع من “الخوف”، وأن الاستقرار الحقيقي يتطلب إشراك الشباب والمهمشين ورفع القيود الأحادية.
وشدد الخطاب البابوي على حرمة كرامة الإنسان وإدانة الاستغلال إذ تمثل هذه الكلمات استجابة مباشرة لمطالب المنظمات مثل “هيومن رايتس ووتش”.
الفاتيكان عبر من خلال هذه الكلمات عن رفضه الأخلاقي لعمليات الترحيل الجماعي القسري للمهاجرين وطالبي اللجوء، كما لمح إلى ضرورة احترام الحريات الأساسية بما فيها حرية المعتقد للأقليات الدينية في البلاد.
وذكر البابا النظام العسكري الجزائري بأن السلام ليس غياباً للنزاع، بل هو تحقيق للعدل وإزالة لـ “أسباب اليأس”.
تلقى النظام العسكري الجزائري درسا قاسيا وتوجيها صارما وعتابا صادما إن لم يكن مغلفا بتحذير، وهو يعلم أنه من الأنظمة ذات الطابع الأمني غالباً ما تُسوق لـ “الاستقرار المفروض” كإنجاز نهائي. وأكد البابا أن الهدوء الأمني لا يساوي السلام إذا كان المواطنون يعانون من اليأس، والظلم، والتهميش.
هي دعوة صريحة لإصلاح النظام القضائي والسياسي ليقوم على العدالة والمساواة.
ولم يفت الخطاب البابوي أن يحذر من تحويل الرموز الدينية إلى “لغات تجديفية من العنف والقمع”، إذ يحمل هذا الجزء بعدين؛ الأول تاريخي يتعلق بجراح “العشرية السوداء” وضرورة تجاوزها بمصالحة حقيقية، والثاني سياسي يحذر من استخدام الدين أو الخطاب الرسمي كأداة لإقصاء الآخر أو قمع الاختلاف.
خلاصة القول، لقد نجح البابا ليون الرابع عشر في إيصال صوت المنظمات الحقوقية والمضطهدين دون الخروج عن اللباقة الدبلوماسية.
كلماته لم تكن مجرد مواعظ دينية، بل كانت تذكيراً سياسياً وأخلاقياً صارماً بأن المجتمع الدولي يدرك حجم التحديات والانتهاكات التي تواجه حقوق الإنسان في الجزائر، وأن الطريق الوحيد للاستقرار الفعلي يمر عبر العدالة، وحرية المجتمع المدني، واحترام كرامة كل فرد.

