الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية: “أنقذ طالب مغربي امرأة كانت تغرق في بحيرة بمدينة ‘هانغتشو’، ثم غادر المكان بهدوء. إنسانية بلا حدود.”

الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية: “أنقذ طالب مغربي امرأة كانت تغرق في بحيرة بمدينة ‘هانغتشو’، ثم غادر المكان بهدوء. إنسانية بلا حدود.”

عبدالقادر كتـــرة

في يومٍ هادئ قرب إحدى بحيرات مدينة “هانغتشو” الصينية، تعالت فجأة صرخات الاستغاثة بعد سقوط امرأة في المياه العميقة وصراعها اليائس من أجل البقاء.

بينما تسمر بعض المارة في أماكنهم من هول الصدمة، لم يتردد طالب مغربي يدرس هناك للحظة؛ ألقى بحقيبته وقفز بشجاعة في المياه. بجهد كبير، تمكن من الوصول إليها وسحبها إلى ضفة الأمان.

وبعد التأكد من أنها تتنفس وأن المارة قد تدخلوا لتقديم الإسعافات الأولية واستدعاء الطوارئ، التقط الشاب أنفاسه، وعصر ملابسه المبللة، وانسحب من المكان بصمت تام، متجنباً عدسات الهواتف وأسئلة الفضوليين، دون أن يترك حتى اسمه.

مغادرة الشاب بهدوء هي أقوى رسالة في هذه القصة (نكران الذات (غياب الأنا).

في عصر تسيطر فيه ثقافة توثيق كل شيء على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن “التريند” والاعتراف، اختار هذا الطالب أن يجعل عمله خالصاً للإنسانية. لم يكن يبحث عن بطولة أو مكافأة، بل أدى ما أملاه عليه ضميره ومضى.

دون أن يخطط لذلك، أصبح هذا الشاب سفيراً لبلده (المغرب) ولثقافته. الأفعال العفوية الصادقة تكسر الصور النمطية وتبني جسوراً من الاحترام والتقدير بين الشعوب أقوى بكثير من أي حملات إعلامية.

عبارة “إنسانية بلا حدود” تلخص الجوهر. في مواجهة الموت والخطر، تتلاشى كل الفروق (اللغة، العرق، الجنسية، الدين). في تلك اللحظة في هانغتشو، لم يكن هناك صينية ومغربي، بل كانت هناك روح بشرية تستغيث، وروح بشرية أخرى هبت لنجدتها.

هذا الحادث يبعث دفئاً حقيقياً في القلب. إنه يذكرنا بأن الخير متأصل في الفطرة البشرية، وأن الأبطال الحقيقيين غالباً ما يمشون بيننا بهدوء، بلا عباءات ملونة أو أضواء ساطعة.

تصرف هذا الطالب يعكس “الشهامة” في أبهى صورها.

لقد أثبت أن اللغات قد تختلف، والحدود الجغرافية قد تباعد بيننا، لكن لغة الرحمة والإنسانية يفهمها الجميع.

إنها قصة صغيرة في حجمها، لكنها عظيمة في معناها، وتستحق أن تُروى لتكون مصدر إلهام لنا جميعاً بأن نفعل الخير، ثم نمضي بسلام.

بالتأكيد، حادثة هانغتشو ليست استثناءً، بل هي جزء من سجل طويل وحافل بالمواقف البطولية والإنسانية التي سطرها مغاربة (سواء من المهاجرين، الطلبة، أو السياح) في مختلف بقاع العالم.

تكتسي هذه الحوادث أهمية كبرى، ليس فقط لإنقاذها أرواحاً بشرية، بل لكونها تتصدر عناوين الصحف العالمية وتساهم في كسر الصور النمطية السلبية التي تروجها أحياناً بعض التيارات السياسية في دول المهجر.

من أبرز الحوادث المماثلة والموثقة لمغاربة في الخارج، قصة رحال عماري (يونيو 2022): مهاجر مغربي (42 عاماً) كان يعمل كمسؤول عن المنقذين في شاطئ ببلدية “كاستل فولترنو” جنوب إيطاليا.

سمع صراخ والدين إيطاليين بعد أن جرف التيار طفليهما (6 و7 سنوات). تدخل رحال بشجاعة وسط أمواج عاتية وتمكن من إنقاذ الطفلين، لكنه فارق الحياة بمجرد وصوله إلى الشاطئ نتيجة ابتلاعه كمية كبيرة من مياه البحر، تاركاً وراءه زوجة وطفلين في المغرب. وصفته الصحافة الإيطالية بـ “البطل الحقيقي”.

قصة الشاب أيمن الدفالي: فتى مغربي قاصر (16 عاماً) لقي مصرعه غرقاً في شاطئ “ليدو ديلي إستنسي” بإيطاليا، بعد أن ألقى بنفسه في منطقة خطيرة ومحظورة السباحة لينقذ زوجين من غرق محقق، ويدفع حياته ثمناً لشهامته.

بطولة الطفولة المبكرة (هولندا)، قصة خالد أحريويل (مارس 2025): طفل مغربي يبلغ من العمر 11 عاماً، لم يمضِ على وصوله إلى هولندا سوى أربعة أشهر. أثناء ركوبه دراجته في بلدة “بوديخرافن” متوجهاً للقاء والده، لمح طفلة هولندية (4 سنوات) تغرق في قناة مائية. قفز خالد فوراً إلى المياه العميقة وأنقذها. استقبله عمدة المدينة وكرمه رسمياً ووصفه ببطل المدينة، وتصدرت قصته كبريات الصحف الهولندية.

شجاعة على الطرقات (إسبانيا)، قصة معاذ الهاشتي (يوليو 2022): سائق شاحنة مغربي مهني كان يعبر طريقاً سياراً في إسبانيا (نواحي مالقة)، عندما لاحظ اشتعال النيران في سيارة بداخلها ثلاث فتيات إسبانيات عالقات ومصدومات. تدخل معاذ وزميل له بشجاعة فائقة، وقاما بإخراجهن في اللحظات الأخيرة قبل أن تلتهم النيران السيارة بالكامل. انتشرت صوره عبر وسائل الإعلام الإسبانية التي أشادت بـ “الملائكة الحراس” الذين ظهروا من العدم.

التدخل الحاسم في الأجواء (فرنسا / ألمانيا)، قصة طارق صلاح الدين (غشت 2018): بطل فرنسا السابق في الملاكمة (من أصول مغربية)، كان على متن رحلة جوية من ميونخ الألمانية إلى باريس، عندما حاول أحد المسافرين المضطربين اقتحام قمرة القيادة لاختطاف الطائرة وسط ذعر 200 راكب. تدخل طارق بسرعة وبفضل بنيته الرياضية وتكتيكه، تمكن من طرح المهاجم أرضاً وتثبيته حتى هبطت الطائرة بسلام وتدخلت الشرطة الفرنسية في مطار شارل ديغول.

خلاصة القول، من زاوية التحليل المجتمعي والدبلوماسي، يمكن قراءة هذه الحوادث المتكررة من خلال نقطتين أساسيتين:

– الدبلوماسية الشعبية الناعمة: هؤلاء الأفراد، بتصرفاتهم العفوية، يقومون بعمل دبلوماسي يفوق أحياناً المجهودات المؤسساتية. إنهم يبرزون الوجه الحقيقي لقيم “تمغرابيت” المتمثلة في الشهامة، إغاثة الملهوف، والتضامن الإنساني غير المشروط.

– الرد العملي على “الوصم”: في ظل تصاعد خطابات اليمين المتطرف في أوروبا التي تحاول ربط المهاجرين (وخاصة المغاربيين) بالأزمات أو الجريمة، تأتي هذه الحوادث لتشكل صفعة أخلاقية قوية للإعلام الموجه، مبرزة أن هؤلاء المهاجرين ليسوا مجرد أرقام اقتصادية، بل هم مساهمون فاعلون في أمن وسلامة المجتمعات التي يعيشون فيها، حتى لو تطلب الأمر التضحية بأرواحهم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *