كان المغرب هدفا لأكثر من 860 ألف تغريدة معادية على منصة X خلال “كان” 2025، ظاهرة توصف بأنها مناخ غير مسبوق من الكراهية تجاه البلد المضيف بسبب نجاحه
عبدالقادر كتـــرة
كشفت أحدث التقارير، وتحديداً التحقيق الذي نشرته مجلة “La Revue Afrique”، أن المملكة المغربية تعرضت لهجوم رقمي غير مسبوق وممنهج خلال استضافتها لبطولة كأس أمم إفريقيا (الكان 2025).
وتم رصد أكثر من 860 ألف تغريدة معادية للمغرب على منصة “X” (تويتر سابقاً) خلال شهر واحد فقط (فترة البطولة).
لم تكن هذه التغريدات مجرد مناكفات رياضية عضوية بين الجماهير، بل تبين أنها حملة مبرمجة سلفاً وموجهة عبر لجان إلكترونية وحسابات وهمية (Bots).
ركزت الحملة على اختلاق أزمات وهمية، ترويج الشائعات حول التنظيم، والتشكيك في نزاهة التحكيم ومؤسسات “الكاف”، بهدف شيطنة صورة البلد المضيف والتشويش على نجاحه.
من منظور العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية، يمكن تحليل هذه الظاهرة عبر ثلاث محددات رئيسية:
– نجاح المغرب في تنظيم “كان 2025” كبروفة استعدادية لكأس العالم 2030، يمنحه إشعاعاً دبلوماسياً وقوة ناعمة هائلة داخل القارة الإفريقية وعلى المسرح الدولي.
بالنسبة للخصوم الإقليميين، هذا النجاح يُنظر إليه بمنطق “المباراة الصفرية” (Zero-sum game)؛ فصعود القوة الناعمة للرباط يُترجم كتهديد لنفوذهم، مما دفعهم لنقل المعركة من الواقع (حيث عجزوا عن مجاراة التطور المغربي) إلى الفضاء الافتراضي.
– الهدف من ضخ 860 ألف تغريدة في شهر واحد هو “إغراق الفضاء الرقمي”
الهدف الجيوسياسي هنا هو محاولة هندسة الرأي العام الإفريقي وتأليبه ضد المغرب، وتصوير المملكة كدولة مهيمنة تبتلع مؤسسات القارة الرياضية، لضرب امتدادها الاستراتيجي الإفريقي.
نحن أمام نموذج واضح لانتقال العداء الكلاسيكي إلى مسرح العمليات السيبراني. استخدام الذباب الإلكتروني، خوارزميات التضخيم، واللجان المنظمة لضرب صورة دولة كاملة، يُصنف في العقائد العسكرية الحديثة كجزء من التهديدات الهجينة التي تهدف إلى النيل من الاستقرار النفسي والمؤسساتي للدول.
على أرض الواقع، تحطمت هذه الحملة الافتراضية أمام حقيقة النجاح المادي والتنظيمي المبهر لـ “كان 2025″، والتفاعل الإيجابي للوفود الإفريقية مع البنية التحتية والملاعب المغربية.
لكن، الدرس الاستراتيجي الأهم من هذه الحملة هو أن الأمن القومي لم يعد يقتصر على تأمين الحدود العسكرية والترابية، بل يمتد إلى “السيادة الرقمية وحماية السردية الوطنية”. المغرب، وهو مقبل على استحقاقات عالمية كبرى (مونديال 2030)، يحتاج إلى الانتقال من وضعية “الدفاع ورد الفعل” إلى امتلاك استراتيجية أمن سيبراني هجومية واستباقية. يجب بناء “قوة ردع رقمية” وطنية قادرة على التنبؤ بهذه الحملات، تفكيكها برمجياً، وتقديم سردية مغربية مضادة ومحترفة تغزو المنصات بلغات متعددة.
خلاصة القول، أقوى دروع الردع الرقمي هو وعي المواطن نفسه. المقاربات الحديثة (كما هو الحال في دول البلطيق وفنلندا لمواجهة التضليل المنهجي) تعتمد على تحويل المجتمع إلى خط دفاع أول.
يتم دمج مفاهيم “محو الأمية الإعلامية” والوعي بالأمن السيبراني في صلب النقاش العام. المجتمع الذي يمتلك حساً نقدياً عالياً وقدرة على تمييز الأخبار الزائفة واللجان الإلكترونية، يشكل جدار حماية (Firewall) عضوي يُفشل أهداف أي هجوم سيكولوجي يستهدف ضرب استقراره الداخلي.
هنا يتقاطع الأمن السيبراني المتقدم مع الاقتصاد الدولي والقانون. عندما يتم رصد الجهات أو الدول الراعية لحملات العداء الرقمي بشكل قاطع، تلجأ الدول المستهدفة إلى أدوات خشنة مبطنة.
يشمل ذلك فضح الفاعلين دولياً عبر تقارير تقنية موثقة، ورفع دعاوى قضائية دولية ضد المنصات التي تتساهل مع المحتوى الموجه، أو توظيف سلاح العقوبات الاقتصادية والتجارية ضد الكيانات التقنية المتورطة في تمويل أو استضافة خوادم هذه الهجمات.
إن الانتقال من الاستراتيجية الدفاعية المحضة إلى امتلاك قدرات الردع الرقمي الشامل هو ما سيحسم المعارك الجيوسياسية القادمة، خاصة مع تزايد تعقيد أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وقدرتها على صناعة التزييف العميق.
اللهم احفظ المملكة المغربية، واجعل كيد الكائدين في نحورهم.

