إيران: تعیین مجتبی خامنئي”مرشدا أعلى للبلاد” خروج على نهج مؤسس الثورة الصفوية “آيات الله الخميني” الذي قال بأن الأنظمة الملكية” و”الوراثية” ضد الشريعة الإسلامية
عبدالقادر كتـــرة
في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عام 1979، أعلن “مجلس خبراء القيادة”، في 8-9 مارس 2026، رسمياً اختيار “مجتبى خامنئي” مرشداً أعلى للبلاد، خلفاً لوالده علي خامنئي الذي اغتيل مؤخراً.
هذا التعيين يطرح إشكاليات عميقة حول مدى التزام النظام بأدبيات مؤسسه:
التناقض مع نهج الخميني (نفاق الأيديولوجيا)
شنّ روح الله الخميني في كتابه “الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه” هجوماً لاذعاً ومباشراً على الأنظمة الملكية والوراثية، معتبراً إياها متعارضة جوهرياً مع مفاهيم الحكم في الإسلام. لقد قامت ثورة 1979 في جوهرها وشعاراتها على أساس إسقاط “حكم العائلة البهلوية” ورفض مبدأ توريث السلطة.
بناءً على ذلك، فإن تمرير أعلى منصب ديني وسياسي وعسكري في البلاد من الأب إلى الابن يمثل خروجاً صريحاً وتاريخياً عن نهج المؤسس، وضرباً للمبادئ التي سوّغ بها النظام شرعيته. لقد تحولت “الجمهورية” بهذا القرار إلى ما يشبه “الملكية المُعمّمة” أو الثيوقراطية الوراثية.
لماذا اختار النظام مسار التوريث؟
بعيداً عن الشعارات الفقهية والدينية، تحكم النظام الإيراني اليوم حسابات “البقاء” والبراغماتية السياسية، وذلك لعدة أسباب هيكلية:
– حاكم الظل وتحالف الحرس الثوري: لم يكن مجتبى خامنئي يوماً بعيداً عن السلطة؛ فقد كان طوال السنوات الماضية “حاكم الظل” والمتحكم الفعلي في مكتب والده. الأهم من ذلك، أنه نسج شبكة ولاءات معقدة مع قادة “الحرس الثوري الإيراني”.
الحرس الثوري هو من يدير مفاصل الدولة الفعلية اليوم، واختيار مجتبى هو ضمان لاستمرار مصالح هذه المؤسسة العسكرية القوية دون أي مفاجآت.
– هندسة الفراغ وإقصاء المنافسين: طوال العقد الماضي، عملت الدولة العميقة على هندسة المشهد السياسي والديني عبر إقصاء وتهميش كل الشخصيات الوازنة التي كان من الممكن أن تنافس على المنصب (بما في ذلك تهميش حسن الخميني، حفيد المؤسس ذاته)، مما جعل مجتبى الخيار الجاهز والوحيد تقريباً على الطاولة.
– أزمة البقاء وحالة الحرب : يأتي هذا التعيين في ظل ظروف استثنائية ووجودية يعيشها النظام جراء التصعيد العسكري الأمريكي-الإسرائيلي المباشر ضده.
في أوقات الأزمات الكبرى، تفضل الأنظمة الشمولية الالتفاف حول الشخصية التي تمسك بخيوط اللعبة الأمنية والاستخباراتية مسبقاً، لتجنب أي صراع أجنحة قد يؤدي إلى انهيار النظام من الداخل.
خلاصة القول، من الناحية الفقهية والسياسية (ووفقاً لأدبيات النظام نفسه)، هذا التعيين ينسف السردية الأخلاقية التي قامت عليها “ولاية الفقيه”، ويثبت أن السلطة المطلقة تميل بطبيعتها إلى الحفاظ على نفسها عبر شبكات المحسوبية والتوريث، بغض النظر عن الغلاف الديني أو الثوري الذي تتستر به.
هذا الحدث يجرّد النظام من أهم حججه التاريخية ضد الشاه، وقد يُشعل لاحقاً انقسامات صامتة أو علنية داخل الأوساط الدينية التقليدية في حوزة “قُم” التي طالما رفضت تسييس الدين بهذا الشكل الفجّ.
صعود مجتبى خامنئي لمنصب المرشد الأعلى، يعطي نظرة تفصيلية حول تحركاته خلف الكواليس وعلاقاته المتشعبة بالحرس الثوري والأجهزة الأمنية، مما يوضح كيف هندس طريقه نحو قمة السلطة.

