نظام عسكر الجزائر يسعى إلى “تضخيم أرقام” الشهداء “للبحث عن “الشرعية” مستمدا جذوره من جيش التحرير الوطني، ليتحلى ب”قدسية الشهيد” ويمنح “قدسية للمؤسسة العسكرية”
عبدالقادر كتـــرة
ما حقيقة “مليون ونصف مليون شهيد” الذي تتغنى به الجزائر وتقتات به منذ 60 سنة؟ وهل الدول الأخرى، ليس لها شهداء؟
هل اليابان وسوريا والشيشان والكوسوفو والكونغو وفرنسا والمانيا والمغرب…ليس لهم شهداء؟
وما ما معنى “الشهيد” في هذا العصر؟ أليس من الغباء في عالم اليوم الذي نتحدث فيه عن التيكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي والمستقبل الرهيب في الوقت الذي تجتر فيه الجزائر قصصا خرافية وتتحدث عن الذاكرة والماضي الاستعماري؟
لماذا تتحدث الجزائر عن هذا العدد من “الشهداء” ولا تتحدث عن عدد القتلى في صفوف الاستعمار (الذي تحصره الإحصائيات الرسمية الفرنسية ما بين 20 و25 ألف قتيل )؟
كيف لمستعمر فرنسي لا يتعدى عدد جنوده ال100ألف جندي أن يقتل هدا العدد الذي بلغ بحسب رئيس الجزائر 5 ملايين و 630 ألف شهيد وكيف تم احتسابهم في الوقت الذي تصرح وزارة المجاهدين في الجزائر عن عددهم لا يتجاوز 400ألف مجاهد بأولادهم وبناتهم وذوي الحقوق؟
وشكك نورالدين آيت حمودة هو سياسي ونائب برلماني جزائري سابق، وابن العقيد الشهيد عميروش آيت حمودة (قائد الولاية التاريخية الثالثة)، في هذه الأرقام وأكد على أن العدد لا يتجاوز 40 ألف شهيد أما الارقام المصرح بها فلا تعدو أن تكون أرقاما منفوخ ومبالغ فيها.
اشتهر بمواقفه المثيرة للجدل، خاصة تصريحاته عام 2021 التي انتقد فيها الأمير عبد القادر، مما أثار ضجة واسعة واعتبرت مسيئة لمؤسس الدولة الجزائرية.
أليس هذا بحث للنظام العسكري الجزائري عن شرعية في غياب الديمقراطية؟
فيما يخص فترة الثورة (1954-1962)، فهناك رقم شهير يقول « مليون ونصف شهيد »، لكن أبحاث تاريخية مستقلة لبعض المؤرخين تعتبر أن الرقم “1.5 مليون” لضحايا ثورة التحرير مبالغ فيه جدًا، ويشيرون إلى أن التقديرات الأكثر واقعية تراوح بين 300,000 إلى 400,000 جزائري ميتين في الحرب.
أسفرت الحرب عن مقتل ما بين 400 ألف ومليون ونصف المليون جزائري، و25600 جندي فرنسي، و6000 أوروبي.
لا يزال إجمالي عدد القتلى بين عامي 1954 و1962 محل جدل، إذ تزعم الحكومة الجزائرية أن عدد الضحايا تجاوز المليون ، بمن فيهم متمردون قُتلوا على يد القوات الفرنسية، بالإضافة إلى مدنيين جزائريين وأوروبيين قُتلوا على يد القوات الفرنسية وجبهة التحرير الوطني. أما التقدير الفرنسي الرسمي فقد بلغ 350 ألف قتيل.
وسبق أن صرح وزير الخارجية الجزائري الأسبق الراحل الأخضر الإبراهيمي، في حوار “تلفزيون العربي”، عن أعداد ضحايا الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وقال: “جمال عبد الناصر أول من استعمل عبارة الجزائر بلد المليون شهيد..” ولتبرير هذا العدد الضخم، أضاف ان من بينهم من مات بالمجاعة والعطش والمرض…(وهي كذبة إطلقها جمال عبدالناصر مجاملة في حضرة أول رئيس جزائري أحمد بنبلة خلال زيارة لمصر وصدقها الجزائريون وتنافسوا في رفع العدد إلى ان بلغ اليوم 16 مليون شهيد أكثر من عدد سكان الجزائر أربع مرات).
1. إشكالية الأرقام: كيف يُحسب “الشهداء”؟
هناك فرق بين التقدير الرمزي والإحصاء العددي الدقيق:
– مليون ونصف مليون: هذا الرقم يشير تاريخياً إلى ضحايا الثورة التحريرية (1954-1962). هو رقم تبنته جبهة التحرير الوطني وأصبح جزءاً من الهوية الوطنية.
– 5 ملايين و630 ألف: التصريحات الأخيرة التي تتحدث عن هذا الرقم تشمل كامل الفترة الاستعمارية (1830-1962). المنطق هنا أن المقاومة لم تتوقف، وأن سياسات “الأرض المحروقة” والمجاعات والأمراض والتهجير القسري التي مارسها الاستعمار في القرن التاسع عشر أدت لإبادة قرى بأكملها.
– التناقض مع أرقام وزارة المجاهدين: وزارة المجاهدين تحصي “الحقوقيين” (من لديهم ملفات إدارية للحصول على منح)، بينما مصطلح “شهيد” في السردية الجزائرية يشمل المدنيين الذين قتلوا في القصف، أو تحت التعذيب، أو نتيجة الألغام، وليس فقط المقاتلين النظاميين.
2. هل للدول الأخرى شهداء؟
بالتأكيد، لكل أمة “شهداؤها” لكن بمسميات وسياقات مختلفة:
– روسيا (الاتحاد السوفيتي): فقدت حوالي 27 مليون شخص في الحرب العالمية الثانية، وتعتبرهم “أبطال الحرب العظمى”.
– اليابان: لديها ضحايا القنبلة الذرية الذين يمثلون ذاكرة مؤلمة ومقدسة.
– المغرب: لديه شهداء المقاومة وجيش التحرير الذين سقطوا في مواجهة الاستعمارين الفرنسي والإسباني.
فالاختلاف يكمن في كيفية توظيف هذه التضحيات في بناء “شرعية الدولة” بعد الاستقلال. في الجزائر، الثورة هي “عقد التأسيس” الوحيد للدولة الحديثة، لذا يتم التركيز عليها بشكل مكثف.
3. الذاكرة مقابل المستقبل: هل هو “غباء” سياسي؟
الجدل حول “الذاكرة” (La Guerre des Mémoires) ليس مجرد حديث عن الماضي، بل هو أداة سياسية:
– داخلياً: تستخدمه الأنظمة لتعويض غياب “الشرعية الديمقراطية” بشرعية “ثورية”. الربط الدائم بالماضي يجعل أي معارضة تبدو وكأنها خروج عن ثوابت الثورة.
– خارجياً: يُستخدم كأداة ضغط في العلاقات الدولية (خاصة مع فرنسا) للحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية أو اعتذارات تاريخية.
– المخاطرة: الانغماس المفرط في الماضي قد يؤدي إلى “جمود فكري” يعيق التخطيط للمستقبل، حيث يصبح التاريخ قيداً بدلاً من أن يكون دافعاً.
4. قتلى الاستعمار مقابل قتلى المقاومة
تتجنب السرديات الوطنية عادةً الحديث عن قتلى الخصم لأن الهدف هو ترسيخ صورة “الضحية البطلة”. فرنسياً، الأرقام الرسمية تشير إلى مقتل حوالي 25 ألف جندي فرنسي خلال حرب الجزائر، وهو رقم ضئيل مقارنة بالخسائر الجزائرية، مما يعكس عدم التكافؤ في القوة العسكرية (طيران ومدفعية مقابل حرب عصابات).
5. الشرعية والنظام العسكري
التحليل الذي يربط بين “تضخيم الأرقام” و”البحث عن الشرعية” هو تحليل شائع في العلوم السياسية:
– بما أن النظام الجزائري يستمد جذوره من جيش التحرير الوطني، فإن “قدسية الشهيد” تمنح “قدسية للمؤسسة العسكرية”.
– في ظل غياب تداول سلمي وديمقراطي للسلطة، تصبح “الشرعية الثورية” هي البديل الجاهز لإقناع الشعب بأن الحكام الحاليين هم “حماة أمانة الشهداء”.
خلاصة القول، الشهادة في العصر الحديث تحولت من مفهوم “ديني/أخلاقي” إلى “رأسمال سياسي”.
بينما تتجه دول مثل ألمانيا واليابان إلى تحويل ذاكرتها الأليمة إلى طاقة بناء اقتصادي مذهل، لا تزال دول أخرى (ومنها الجزائر) تجد في “الماضي الاستعماري” ملجأً لتفسير إخفاقات الحاضر أو لتوحيد الجبهة الداخلية ضد “عدو خارجي” مفترض.
التحدي الحقيقي لأي دولة ليس في عدد شهدائها، بل في قدرتها على تكريم أولئك الشهداء عبر بناء دولة يعيش فيها الأحياء بكرامة، حرية، وعدالة اجتماعية .

