بريتوريا تقايض الاعتراف بمغربية الصحراء مقابل انسحاب الرباط من سباق الظفر بالمقعد الدائم بمجلس الأمن لصالح جنوب إفريقيا والمغرب يتجاهلها
عبدالقادر كتـــرة
فجرت وسائل إعلام في جنوب إفريقيا معطيات تشير إلى وجود عرض سري قدمه الرئيس “سيريل رامافوزا” للمغرب عبر وسيط إفريقي، يتضمن المقايضة : اعتراف رسمي بسيادة المغرب على الصحراء المغربية مقابل انسحاب المغرب من سباق المنافسة على “المقعد الدائم” المخصص للقارة الإفريقية في مجلس الأمن الدولي، لضمان فوز جنوب إفريقيا به وامتلاك حق النقض (الفتو).
تأتي هذه التسريبات في وقت تشهد فيه جنوب إفريقيا ضغوطاً اقتصادية داخلية ومراجعات لسياساتها الخارجية التي لم تعد تجني منها ثماراً اقتصادية ملموسة.
اعتراف فرنسا ومواقف أمريكا وإسبانيا جعلت من موقف بريتوريا يبدو “تغريداً خارج السرب” الدولي، مما قد يدفع رامافوزا للبحث عن مخرج “بثمن سياسي باهظ” وهو المقعد الدائم في مجلس الأمن.
هذه التقارير، تعتبر في حال تأكدت صحتها، بمثابة “زلزال جيوسياسي” في منطقة القارة الإفريقية، لأنها تضرب عمق التحالف التقليدي (الجزائر – بريتوريا) الذي شكل لعقود جدار الصد الأول ضد الطموحات المغربية في الاتحاد الإفريقي.
الموقف المغربي: “السيادة ليست للمساومة”
تشير التقارير إلى أن الرباط رفضت العرض جملة وتفصيلاً لثلاثة أسباب استراتيجية، أولها “تجاوز المرحلة”، إذ المغرب يرى أن ملف الصحراء قد حُسم دولياً باعتراف القوى العظمى، ولم يعد بحاجة لتقديم “تنازلات سيادية” مقابل اعتراف من دول كانت تعتبر خصماً تقليدياً.
ثانيا، “الثقل الدبلوماسي”، بحيث لا تعتبر الرباط بريتوريا فاعلاً مؤثراً في المسار الأمامي للملف، وبالتالي فإن تغيير موقفها هو “تحصيل حاصل” ولن يغير من جوهر النزاع.
كما تعتقد الرباط أن موقف جنوب إفريقيا “أيديولوجي” أكثر منه “قانوني”، وأن حسم الملف يتم في أروقة القوى العظمى (واشنطن، باريس، لندن) وليس في بريتوريا.
ثالثا،”الطموح القاري”، يرى المغرب نفسه الأحق بمقعد مجلس الأمن بناءً على شبكة تحالفاته الدولية وقوته الناعمة في إفريقيا، ويرفض المقايضة على مكانته الدولية.
هذا التحول يعكس براغماتية (واقعية سياسية) شديدة من رامافوزا، الذي بدأ يدرك أن الاستمرار في معاداة المغرب بلا أفق سياسي أصبح عبئاً على طموحات بلاده الدولية.
إن صحّت هذه الأنباء، فنحن أمام تحول من “دبلوماسية المبادئ الأيديولوجية” إلى “دبلوماسية المصالح الصرفة” (Realpolitik) لدى بريتوريا. المغرب، من جهته، يبدو أنه انتقل من مرحلة “البحث عن الاعتراف” إلى مرحلة “فرض الشروط”، حيث يرفض أن يكون ملف الصحراء عملة لتبادل المصالح في ملفات أخرى.
هذه التسريبات أصابت النظام العسكري الجزائري الذي يعتبر جنوب أفريقيا “حليفه” الرئيسي في القضية بصدمة قوية وتمثل خطوته هذه “طعنة استراتيجية” للمحور الجزائري-الجنوب إفريقي.
الجزائر ستجد نفسها “معزولة” تماماً في القارة، حيث إن أقوى حليف لها كان مستعداً للتخلي عن “مبادئه” من أجل مصلحة سياسية ضيقة (مقعد مجلس الأمن).
خلاصة القول، نحن أمام مشهد دولي جديد يتسم بـ “البراغماتية المتوحشة”، حيث تحاول جنوب أفريقيا إنقاذ هيبتها الدولية عبر مقعد دائم في مجلس الأمن، حتى لو كان الثمن التخلي عن حلفاء الأمس (الجزائر والبوليساريو).
أما المغرب فيمارس “دبلوماسية الواثق”، حيث يرفض العروض التي تنتقص من سيادته أو طموحه الدولي، مؤمناً بأن الزمن يعمل لصالحه.
في الوقت ذاته، تواجه الجزائر تحدي الحفاظ على ما تبقى من “تكتل الرفض” في إفريقيا وسط إغراءات المصالح الكبرى.

