قضية الفرنسي “جاسوس بيرسي” عميل الجزائر، في وزارة الاقتصاد الفرنسية، تطفو على السطح من خلال تحقيق “قناة فرانس2”
عبدالقادر كتـــرة
أفادت وسائل إعلام فرنسية في مارس 2025 أن موظفًا فرنسيًا جزائريًا (56 عامًا) في وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية (“بيرسي”) قد أوقف ووضع قيد التحقيق القضائي في ديسمبر 2024 بتهم خطيرة تتعلق بالتجسس لصالح الجزائر.
ووجهت إليه تهم “التعامل مع قوة أجنبية”، و”تسليم معلومات تمس المصالح الأساسية للأمة لقوة أجنبية”، و”ممارسة أنشطة لجمع معلومات حول المصالح الأساسية للأمة لصالح قوة أجنبية”.
ويُشتبه في أنه كان على اتصال منتظم مع شخص يعمل في القنصلية الجزائرية في كريتاي (ضاحية باريسية)، والذي يُعتقد أنه كان غطاءً لجهاز المخابرات الجزائري، حيث كان يسلمه معلومات سرية.
“جاسوس بيرسي” عميل النظام العسكري الجزائري، حصل على المعلومات من خلال علاقة عاطفية مع مساعدة اجتماعية (46 عامًا) تعمل في المكتب الفرنسي للهجرة والاندماج (OFII).
كانت تستغل منصبها للوصول إلى ملفات سرية حول طلبات اللجوء وتمريرها إليه. وقد وُضعت هذه الموظفة بدورها قيد التحقيق في فبراير 2025 بتهمة انتهاك السر المهني.
معلومات شخصية وحساسة تتعلق بـ مواطنين جزائريين يقيمون في فرنسا، وخاصة معارضين بارزين للنظام الحاكم في الجزائر، بما في ذلك تفاصيل عن طلبات لجوئهم.
تم تعليق عمل العميل الفرنسي للنظام الجزائري في الوزارة، ووضعه تحت الرقابة القضائية مع حظر الاتصال بالأطراف الأخرى في القضية.
ويدعي محامي “جاسوس بيرسي”، أن موكله كان “ضحية لحملة تهديد وتلاعب من قبل قوة أجنبية شددت الخناق عليه”.
هذه القضية التي طفت على السطح من خلال تحقيق بثته القناة الفرنسية “فرانس 2″ مساء المخيس الماضي، تظهر بوضوح استهداف الجهاز الأمني الجزائري للمعارضين الجزائريين المقيمين في الخارج. المعلومات المسربة لم تكن عادية، بل كانت عن أفراد محددين ومعرضين للخطر.
من بين الأسماء المذكورة أمير بخورص المعروف ب”أمير ديزيد” (صحفي منفي)، ومحمد العربي زيتوت (ناشط سياسي)، وشوقي بن زهرة (مدون مؤثر)، بالإضافة إلى صحفي لاجئ ومواطن جزائري كان قد رفع دعوى قضائية في فرنسا ضد جنرال جزائري.
وأفادت مصادر قريبة من التحقيق بأن بعض هؤلاء الأشخاص تعرضوا لـ “أعمال عنف أو تهديدات بالقتل أو محاولات اختطاف”.
وهناك تقارير تشير إلى تعرض الصحفي أمير بخورص للاختطاف لفترة وجيزة في باريس بعد وقت قصير من الوصول إلى ملفه.
وتكشف القضية عن ضعفين أمنيين خطيرين، الثغرة البشرية التي تتمثل في استغلال علاقة شخصية وعاطفية لاختراق السرية المهنية في مؤسسة حساسة مثل مكتب الهجرة، والثغرة المؤسسية المتمثلة في قدرة موظف في وزارة الاقتصاد (ليس من مهامه الأساسية جمع المعلومات الأمنية) على الوصول إلى بيانات سرية أو التوسط للحصول عليها، مما يطرح تساؤلات عن فعالية آليات الرقابة الداخلية.
هذه القضية لا تأتي في فراغ، بل هي في سياق تدهور ملحوظ في العلاقات بين باريس والجزائر خلال السنوات الأخيرة.
وتشير التقارير إلى خلافات حول قضايا مثل الصحراء المغربية، ورفض الجزائر استعادة مواطنين مقيمين بشكل غير قانوني في فرنسا تحت طائلة أمر ترحيل، ما دفع فرنسا إلى فرض قيود على تأشيرات بعض المسؤولين الجزائريين. في مثل هذا المناخ، تأخذ أنشطة الاستخبارات ومراقبة المعارضين حيزًا أكبر.
خلاصة القول، قضية “جاسوس بيرسي” تقدم درسًا كلاسيكيًا في المخاطر الأمنية المعاصرة، حيث تختلط الدوافع الشخصية (كالعلاقات العاطفية أو الابتزاز المزعوم) مع الصراعات الجيوسياسية بين الدول.
إنها تذكرنا بأن التجسس غالبًا ما يعمل من خلال استغلال نقاط الضعف البشرية وثغرات الثقة داخل الأنظمة الإدارية، وليس فقط من خلال الوسائل التكنولوجية المعقدة.
من جهة، تبرز الحاجة إلى تعزيز اليقظة والرقابة الداخلية داخل المؤسسات الحكومية الحساسة، خاصة تلك التي تتعامل مع بيانات المواطنين. ومن جهة أخرى، تضع القضية المعارضين السياسيين في المنفى أمام تحديات أمنية إضافية، وتسائل عن مدى فعالية الحماية التي توفرها لهم الدولة المضيفة.
تعتبر هذه الواقمة نادرة من حيث طبيعتها وموقع المتهم، لكنها تعكس توترات سياسية أعمق قد تشهد المزيد من الحوادث المشابهة إذا استمر المناخ الحالي بين البلدين.

