الرعاع الفكري

الرعاع الفكري

إبراهيم الحماني

تفاعل العديد من المتتبعين للشأن العام بالإيجاب مع مقال سابق اشرنا فيه إلى آفة “المنظرون الجدد”،  أو بالأحرى صناع الرعاع الفكري  (دنيا الفيلالي  ،  محمد حاجيب،  فسحة ، تحفة…)  الذين ينطبق عليهم أصدق المقولات التي  قيلت عن التكنولوجيا، و هي: «أن الغرب يصنع التقنية، ثم تستخدمها الفئات المتخلفة لنشر التخلف والسفاهة والإستهبال  واستحقار فهم الناس» .

الجميع  وحسب التفاعل مع المقال بات يتفق على أن الأمر وصل درجة من الإسفاف لا يفترض السكوت عنها، فقد وصل الأمر درجة نشر محتوى بئيس يتعرض لثوابت المغاربة بأسلوب زنقوي  ، ناهيك عن نشر المغالطات والأخبار الزائفة وكل هذا من أجل تحقيق دخل مادي وخدمة الأجندات المشبوهة التي تدفع بهم إلى الخروج  كلما دعت الحاجة إلى ذلك .

كجزء من الحل، نعتقد  بأن تدخل الدولة قد يساهم في الحد من صعود التفاهة ، ذلك أن الحلول التي تلجأ إليها القطاعات الحكومية كوزارة الثقافة يبدو أنها تفاقم المشكلة، حيث بشرنا الوزير المشرف على القطاع بدعم الألعاب الإلكترونية ، والحال أنه ولو اهتم الوزير فقط بإعادة الإعتبار لدور الشباب التي كانت تقوم من خلال الورشات التي كانت تحتضنها ( الفن، المسرح ، الثقافة… ) بأدوار مهمة في التنشئة الإجتماعية، لأسدى أي الوزير خدمة كبيرة للأجيال الصاعدة وبالتالي إلى الأمة المغربية ، فلو استطاع الوزير المحترم أن يعود إلى دراسة ما قدمته دور الشباب بالتحليل والتفسير لكان أداؤه على رأس هذه الوزارة  في أحسن حال، وكما قال أمين الخولي: “لا تجديد إلا بقتل الماضي بحثا”، فهذه المقولة لم تأت عن عبث،إذ إنه منطقيا لا يمكن لحضارة أن تتطور دون دراستها لِما خلفه الماضون، خذ على هذا مثالا للحضارة الغربية التي استلهم منها الوزير الألعاب الإلكترونية  ، فكلها قامت بدراسة ماضيها العلمي والمعرفي، حتى تتمكن من ملء الفراغات التي تركوها، وتكييف وتطويع المسائل التي قدموها، بعدها تقدم شيئا آخر جاء عن الفهم الحق للماضي، وهذا يسري عليهم في شتى المجالات، لذلك فإن العقل المغربي يحتاج لإعادة ربط الصلة مع التراث، والاتصال به ودراسته حتى يكتسب نوعا من التفكير المنهجي .

قطاع الإعلام العمومي هو الآخر في حاجة إلى رجة قوية لإيقاظه من سباته العميق ، حيث غابت البرامج الحوارية الهادفة بل وأصبحت البرامج السياسية على قلتها دعاية مباشرة فجة للحكومة بعيدا عن النقاش والسجال الحقيقي التي تعرفه العديد من قضايا المجتمع على مواقع التواصل الإجتماعي التي أصبح يسيطر عليها صناع الرعاع الفكري .

للأحزاب هي الأخرى سواء كانت في معارضة  أم في الأغلبية الحكومية،  مسؤولية كبيرة في صعود التفاهة ، حيث انشغلت بالمقاعد والمناصب والصفقات عن دورها الحقيقي في تأطير المواطنين، لذلك فلا بد من ظهور أحزاب وجمعيات واعية تعمل بجد، وتملك رؤى ومشاريع يمكنها قيادة المرحلة، متجاوزة كل تلك الشعارات والخرافات الكاذبة، وتحمل نوايا صادقة، وحماسة وطنية .

وبما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ ، فإن غياب المثقفين والأكادميين والجامعيين واغلبهم من الباحثين عن الدرجات والإمتيازات ، عن النقاش العومي سواء عبر المقالات العلمية أو تنظيم الندوات الفكرية أو المشاركة  في البرامج الحوارية ، ساهم في اكتساب صناعة التفاهة مساحة إضافية .

هي أزمة مجتمعية مركبة يتحمل الجميع فيها نصيبه من المسؤولية ، أزمة مجتمع رغم يقينه بأن صناع الرعاع الفكري ينطبق عليهم قوله تعالى في سورة المنافقين ”  وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم ”  ، فإنه  لا ينتج فكر بل يستهلك ويتباهى بالعقلية( الاستهلاكية) المقيتة التي ليست سوى واحدة من الحراب التي رشقتها العولمة في قلب المجتمعات وهي تعلم أنها الحربة التي ستصيب في مقتل.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *