العدالة التصالحية في جهة الشرق: ثمانية أقاليم.. نيابات عامة تشتغل كمجموعات كبيرة لإطفاء النزاعات بدل إشعالها
وجدة : ع.ر.ب
لم تعد قاعات المحاكم في جهة الشرق هي العنوان الوحيد للعدالة. تشتغل اليوم خلف جدران النيابات العامة الثمانية من بركان إلى فكيك، آلة قضائية أخرى أكثر هدوءا وأكثر نجاعة، في مجموعات عمل كبرى للعدالة التصالحية تطفئ الخصومات في مهدها.
إذا كانت الحصيلة الوطنية لعام 2026 سجلت 40.000 مستفيد من مسطرة الصلح بزيادة 80 بالمائة، فإن جهة الشرق تقدم النموذج الأكثر دلالة على كيفية تحول توجيهات رئاسة النيابة العامة إلى ممارسة ميدانية يومية.
خريطة العدالة التصالحية في الشرق
لا تعتبر جهة الشرق جهة عادية، هي 8 أقاليم بخصوصيات متباينة، وكل نيابة عامة فيها طورت مقاربتها الخاصة للصلح، تحت إشراف الوكيل العام للملك لدى محكمة الإستئناف بوجدة.
وجدة – أنجاد (القطب الحضري):
حولت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بوجدة بحكم حجم القضايا، الصلح إلى ورشة جماعية. ليس قاضيا واحدا، بل مجموعات من نواب وكيل الملك، كل مجموعة مكلفة بنوعية نزاعات، مجموعة للأسرة وإهمالها ومجموعة للشيكات ومجموعة للاعتداءات البسيطة. وهذا العمل الجماعي هو من جعل وجدة تسجل نسب صلح عالية في قضايا إهمال الأسرة التي يكون فيها الصلح أجدى من سجن أب.
الناظور والدريوش (الضغط البحري والهجرة)
أبانت النيابة العامة عن ذكاء قانوني في الناظور، حيث القضايا المرتبطة بالتهريب المعيشي سابقا والمشاكل العقارية والتجارية، والصلح هنا ليس مجرد إجراء بل آلية لحماية النسيج التجاري المحلي. تاجر يصدر شيكا بدون رصيد بسبب تأخر باخرة في ميناء بني أنصار، الأفضل له أن يصالح ويؤدي، لا أن يسجن وتغلق محلاته.
بركان – السعيدية (القطب الفلاحي والسياحي)
ركزت نيابة بركان على نزاعات الشغل الموسمي والفلاحة والكراء السياحي. ومكن الصلح المالي المباشر الذي يودع في صندوق المحكمة عشرات المياومين من استرجاع أجورهم في 48 ساعة.
تاوريرت–جرسيف (الوسط القروي)
كان تدخل النيابة العامة حاسما هنا حيث النزاع غالبا بين جيران أو أقارب حول أرض أو ماء أو سب وشتم. يعمق الحكم القضائي الجرح في الثقافة القروية، بينما الصلح الذي تشرف عليه النيابة العامة يحفظ صلة الرحم. وتشتغلان النيابتان العامتان هناك بمنطق العدالة القريبة.
جرادة – فكيك/بوعرفة (المجال الحدودي والمنجمي)
كان الرهان في أقاليم بتاريخ اجتماعي صعب، جرادة وفكيك، هو عدم توريط الشباب في سوابق عدلية بسبب جنح بسيطة مرتبطة بالتهريب الصغير أو استغلال غير قانوني. وتتجلى هنا فلسفة رئاسة النيابة العامة بإعطاء فرصة ثانية.
مجموعات كبيرة.. وليس عملا فرديا
ما يميز جهة الشرق هو أن الصلح لم يعد مبادرة فردية لنائب وكيل ملك، بل عمل مؤسساتي لمجموعات كبيرة، كمجموعات التصفية القبلية التي تجتمع أسبوعيا لفرز 100 و200 محضر واقتراح الصلح قبل أي متابعة، ومجموعات الإستماع حيث يستقبل النواب الضحية والمشتكى به في مكتب واحد، يشرحون معنى الصلح وحقوق الطرفين، ومجموعات التتبع التي تتأكد من تنفيذ الصلح وإيداع المبالغ في الصندوق.
هذا العمل الجماعي هو ما يفسر سرعة الأداء. 40 ألف قضية وطنيا لم تكن لتتحقق لو بقيت كل نيابة تشتغل بمنطق الفرد.
لماذا تستحق نيابات الشرق الإشادة؟
الإشادة هنا ليست مجاملة، بل قراءة قانونية، أولا فهم السياق لأن نيابات الشرق فهمت أن السجن في جنحة بسيطة يكلف الدولة أكثر مما يفيد، وسجين واحد يكلف 80 درهما يوميا، بينما صلح بـ 5000 درهم يغني الخزينة ويجبر ضرر الضحية. وحماية حقوق الإنسان ثانيا، لأن الصلح يحمي المادة 23 من الدستور التي تجعل الإعتقال استثناء. وتم تفادي آلاف حالات الاعتقال الاحتياطي في الشرق بسبب تفعيل الصلح المبكر. وتنفيذ التوجيهات المركزية بإبداع محلي ثالثا، لأن دوريات رئاسة النيابة العامة برئاسة الأستاذ الحسن الداكي كانت واضحة، لكن نيابات وجدة وبركان وتاوريرت وجرسيف وجرادة وفكيك لم تكتف بالتنفيذ الحرفي، بل اجتهدت وخلقت نموذجا جهويا.
وحُصِلت 30 مليون درهم في صناديق المحاكم وطنيا، و40 ألف مواطن أنقذ من الدعوى العمومية، ليست أرقاما مجردة. ففي جهة الشرق، كل رقم هو أسرة في وجدة بقي معيلها معها، وتاجر في تاوريرت بقي محله مفتوحا، وفلاح في بركان استرجع حقه، وشابان في جرسيف تصالحا.
أثبتت العدالة التصالحية في الشرق أن النيابة العامة حين تشتغل كمجموعات كبيرة متضامنة، لا كأفراد معزولين، فإنها لا تطبق القانون فقط، بل تصنع السلم الإجتماعي، وهذا هو جوهر عمل النيابة العامة في أقاليم جهة الشرق الذي يستحق اليوم كل الإشادة.

