حين يتكلم التاريخ.. الزعيم ينتفض في الرباط ويخطف بطاقة المجموعات بقلب الأبطال
فاز الجيش 2-1، لكنه ربح أكثر من ذلك، ربح احترام القارة، وربح ثقة جماهيره، وأكد أن الطريق إلى اللقب القاري يمر عبر الرباط، عبر مولاي عبد الله، عبر قلعة الزعيم.
مبروك للجيش، مبروك للعاصمة، ومبروك للمغرب الذي يملك زعيما لا يشيخ.. زعيم اسمه نادي الجيش الملكي.
إعداد : ع.ر.ب
ليست كل الانتصارات تتشابه. هناك انتصارات تمر كأنها مباراة، وهناك انتصارات تكتب كبيان. وما فعله الجيش الملكي مساء الأحد 25 أكتوبر في الرباط أمام سي أو كورهوغو الإيفواري (2-1) إيابا، بعد تعادل الذهاب (0-0) يوم 17 أكتوبر في كورهوغو، يدخل في الخانة الثانية. انتصار للشخصية قبل أن يكون للنتيجة، وانتصار للتاريخ قبل أن يكون للحاضر. وحجز الزعيم مقعده بمجموع 2-1،في دور مجموعات كأس الكونفدرالية، لكنه حجز قبل ذلك احترام القارة بأكملها.
معركة ذات وجهين
كان الوجه الأول ذهاب تكتيكي في ساحل العاج، في ملعب أمادو غون كوليبالي. لعب الجيش بذكاء الكبار بتعادل سلبي لم يكن هروبا، بل كان حسابا. دخل النادي العسكري بتوازن 4-3-3 متحفظ، أغلق العمق، وترك الكرة للخصم في مناطق غير خطيرة، مع الإعتماد على التحولات السريعة. لم يختبر التكناوتي كثيرا، وأظهرت المنظومة الدفاعية انضباطا يحسب للمدرب. وكان الهدف واضحا، لا تخسر في إفريقيا واربح في الرباط.
وصار الوجه الثاني عاصفة في إياب الرباط، وجه الجيش الملكي رسالة حرب في الدقيقة 5، لأنه لا يجس النبض، الجيش يهاجم، توغل ليوسف الفحلي، مراوغة داخل الصندوق، عرقلة واضحة، ركلة جزاء، ويضعها الفحلي نفسه ببرودة أعصاب ومهاجم يعرف وزن قميص الزعيم، 1-0 ويشتعل المجمع.
امتلك الجيش الكرة بعد الهدف في سيطرة دون فعالية ما بين 6 و54، تجاوز استحواذه 68 في المائة، تدوير سريع وأطراف نشطة بقيادة حمودان، لكن الحسم غاب، حين توفره على فرص بالجملة لم تترجم، وكأن النادي أراد أن يقتل المباراة بهدوء، فعاقبته كرة القدم.
تجلت في الدقيقة 54 صدمة الإيفواريين، استغل غوتي ديبي شرودا دفاعيا وأعاد المباراة إلى المربع صفر 1-1 ليظهر معدن النوادي الكبيرة، نادي عادي ينهار ونادي بطل ينهض.
وكانت ملحمة الصبر والعقل من الدقيقة 58 إلى 83، بمطالبة الجيش بركلة جزاء ثانية لحمودان والتي رفضها الحكم، ولم يحتج العساكر بل ضغطوا أكثر. تحول الرسم إلى 3-4-3 هجومي، مع دخول أظهرة هجومية وضغط عكسي شرس منع كورهوغو من التنفس. وأضحت كل كرة ثانية للجيش، كل صراع هوائي للجيش.
وجاءت عرضية متقنة من الجهة اليمنى، ارتقاء فوق الجميع، رأسية تاريخية من أنس باش تسكن الشباك، بهدف من ذهب الزعيم 2-1 في الدقيقة 83، هدف لم يكن مجرد هدف، بل كان توقيعا على أن الجيش لا يموت، وأن الرباط تبقى مقبرة للخصوم.
لماذا هذا الجيش مختلف؟
تُظهر القراءة الفنية المهنية المختصة التي أفادنا بها ثلاثة من خيرة رجال الصحافة الرياضية بوجدة والعاصمة، حضور المرونة التكتيكية، من 4-3-3 دفاعي في الذهاب إلى 4-2-3-1 هجومي يتحول إلى 3-2-5 في الإياب، ويعرف النادي متى يدافع ومتى يهاجم، وهذا نضج أوروبي. إضافة إلى الضغط العكسي، بعد فقدان الكرة، يستعيدها الجيش في أقل من 6 ثوان، ما خنق كورهوغو ومنعه من بناء أي هجمة منظمة.
وأكد الزملاء، أن الكرات الثابتة سلاح الفتك، هدفان من ركلة جزاء ورأسية ليس صدفة، بل نتيجة عمل كبير في التدريبات واستغلال مثالي لقوة باش الهوائية. ولم نرَ بعد هدف التعادل قوة النادي الذهنية مرتبكة، بل رأينا فريقا أكثر إصرارا، وهذه هي شخصية البطل التي لا تدرس.
العودة إلى الأصل والجيش الملكي هو الأصل والفصل
لا يعود الجيش فقط بهذا التأهل إلى دور المجموعات، بل يعود إلى مكانه الطبيعي كزعيم للكرة المغربية قاريا. وهنا وجب التوقف والإشادة، لأن التاريخ لا ينسى. يُعتبر نادي الجيش الملكي هو أول من مثل المغرب في إفريقيا عام 1968 وبلغ نصف النهائي أمام العملاق مازيمبي، وهو أول من رفع راية المغرب فوق عرش القارة عام 1985 حين قهر دراغونز بيليما الزائيري (الكونغو الديمقراطية حاليا) بخماسية تاريخية في الرباط (5-2) وتعادل بطولي في لومومباشي (1-1)، بقيادة العبقري المهدي فاريا وبأقدام أساطير بحجم التيمومي وخيري ولغريسي. وهو أول ناد عربي يتوج بكأس الكونفدرالية في حلتها الجديدة عام 2005، وهو صاحب 30 لقبا، 12 بطولة و11 كأس عرش، وهو الفريق الذي فتح الأدغال الإفريقية أمام كل الأندية المغربية، ففاز في السنغال والنيجر وغينيا وتونس وليبيريا ونيجيريا ومالي وغانا قبل أن يفكر غيره في السفر. ولم يكن يوما الجيش الملكي مجرد نادٍ، بل كان منتخبا ثانيا، خزانا للمنتخب الوطني، ومدرسة للإنضباط والوطنية.
واليوم، حين يسجل الفحلي من ركلة جزاء في الدقيقة الخامسة، وحين يرتقي باش برأسية في الدقيقة 83، فإن روح 1985 حاضرة، روح الزعيم الذي علمنا أن إفريقيا لا تُهدى بل تُنتزع انتزاعا.

