تُجَّارُ الْكَرَاهِيَةِ فِي إِسْبَانْيَا.. مِن “بُورْغُوس” إِلَى صَنَادِيقِ الِاقْتِرَاعِ: الْوَجْهُ الْقَبِيحُ لِلْيَمِينِ الْعُنْصُرِيِّ الْمُتَطَرِّفِ الَّذِي يَقْتَاتُ عَلَى كَرَامَةِ الْمَغَارِبَةِ بحَصْدِ الْأَصْوَاتِ…

تُجَّارُ الْكَرَاهِيَةِ فِي إِسْبَانْيَا.. مِن “بُورْغُوس” إِلَى صَنَادِيقِ الِاقْتِرَاعِ: الْوَجْهُ الْقَبِيحُ لِلْيَمِينِ الْعُنْصُرِيِّ الْمُتَطَرِّفِ الَّذِي يَقْتَاتُ عَلَى كَرَامَةِ الْمَغَارِبَةِ بحَصْدِ الْأَصْوَاتِ…

عبدالقادر كتـــرة

لم يعد خافياً أن أخطر ما يهدد السلم الاجتماعي في الديمقراطيات الأوروبية المعاصرة ليس الأزمات الاقتصادية العابرة، بل ذلك الانحطاط الأخلاقي الذي بلغه اليمين المتطرف، حين قرر تحويل حياة الأبرياء وكرامتهم إلى حطب يوقد به حملاته الانتخابية.

وما تعرض له الشابان المغربيان يوسف وأحمد في مدينة “بورغوس” الإسبانية مؤخراً ليس مجرد “خطأ إعلامي” أو تسرع رقمي، بل هو جريمة مكتملة الأركان تعري الخسة السياسية لتيارات فاشية تقتات على سمعة المغاربة ودمائهم لتعويض إفلاسها الفكري والسياسي.

صناعة الكذبة.. واغتيال البراءة مع سبق الإصرار

بدأت فصول هذه المسرحية الدنيئة حين استغلت منصات وحسابات مسعورة، تدور في فلك اليمين المتطرف، جريمة مقتل سيدة مسنة في مدينة بورغوس.

وبلا أدنى وازع أخلاقي أو مهني، عمدت هذه الأبواق إلى نشر صور وبيانات شخصية للشابين (يوسف وأحمد)، ملصقة بهما تهمة القتل زوراً وبهتاناً.

لم يكن الهدف البحث عن الحقيقة أو تحقيق العدالة للضحية، بل كان الهدف واضحاً ومبيّتاً: هندسة غضب شعبي أعمى، وتوجيه أصابع الاتهام نحو “المهاجر المغربي” لتأجيج مشاعر الرعب والكراهية في الشارع الإسباني.

غير أن حبل الكذب كان أقصر مما توهم مروجو الفتنة؛ إذ سرعان ما تدخلت الشرطة والجهات الأمنية الإسبانية لنسف هذه الرواية المسمومة من أساسها، معلنة براءة الشابين التامة وعدم صلتهما بالجريمة من قريب أو بعيد.

هذا السقوط المدوي للرواية اليمينية لم يكشف زيف الاتهام فحسب، بل فضح آلية عمل “الميليشيات الرقمية” التي لا تتورع عن تدمير حياة شابين في مقتبل العمر مقابل بضعة آلاف من الإعجابات وحفنة من الأصوات الانتخابية الملطخة بالعنصرية.

خسة الاستثمار في المآسي وإفلاس البرامج

إن المتأمل في سلوك أحزاب أقصى اليمين، وعلى رأسها حزب “فوكس” (Vox) وأذرعه الإعلامية، يدرك أننا أمام ظاهرة طفيلية تعيش على الأزمات.

فحين يعجز السياسي المتطرف عن تقديم حلول حقيقية لمشاكل المواطن الإسباني اليومية، من التضخم وأزمة السكن إلى البطالة وتحديات الخدمات العامة، فإنه يلجأ إلى أرخص حيلة عرفها التاريخ السياسي: اختراع عدو وهمي.

في عقيدة هؤلاء المتطرفين، يتحول المواطن المغربي والمغاربي المقيم في إسبانيا، والذي يسهم بعرقه وجهده وضرائبه في بناء الاقتصاد الإسباني، إلى “شماعة” جاهزة تُعلّق عليها كل الخطايا.

إن المتاجرة بمأساة إنسانية واستغلال جثة سيدة مسنة لتصفية حسابات أيديولوجية مع المهاجرين يعكس دركاً سحيقاً من النذالة السياسية؛ حيث تُستباح الأعراض، وتُنتهك الخصوصيات، ويُرمى بالأبرياء في أتون محاكم التفتيش الرقمية دون أن يرف للمحرضين جفن.

المقصلة الرقمية وتسميم الفضاء العام

الأخطر في واقعة “بورغوس” هو استغلال خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي لنشر الافتراءات بسرعة البرق.

فاليمين المتطرف يدرك جيداً قاعدة التضليل الحديثة: “اكذب بصوت عالٍ وبسرعة قصوى، فحتى لو ظهر الحق لاحقاً، سيظل أثر التشهير عالقاً في الأذهان”.

هذه الاستراتيجية القذرة لا تستهدف يوسف وأحمد كأفراد فحسب، بل تروم تسميم المناخ العام ضد الجاليات المغربية والعربية برمتها. إنها رسائل تحريضية مباشرة تُترجم في الواقع اليومي إلى نظرات ريبة في وسائل النقل، وتمييز عنصري في أماكن العمل والدراسة، واعتداءات لفظية وجسدية تطال حتى أبناء الجيلين الثاني والثالث الذين وُلدوا ونشأوا على الأرض الإسبانية.

“سنذهب إلى النهاية”.. حين ينقلب السحر على الساحر

على أن النقطة المضيئة والفاصلة في هذه القضية هي رفض الضحيتين لعب دور “الكبش الصامت”.

إن خروج يوسف وأحمد بشجاعة نادرة، مدعومين بنسيج حقوقي ومدني واعي، وإعلانهما الصريح ملاحقة كل من تورط في التشهير بهما قضائياً تحت شعار “سنذهب إلى النهاية”، يمثل تحولاً استراتيجياً لا بد من البناء عليه.

لقد ولّى الزمن الذي كان فيه المهاجر المغربي يتلقى السهام العنصرية في صمت خوفاً أو انكساراً.

إن اللجوء إلى القضاء الإسباني والأوروبي لتجريم هذه الأبواق، ومطالبتها بتعويضات ثقيلة وإنزال عقوبات زجرية بحقها، هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجبناء المختبئون خلف الشاشات.

فالإفلات من العقاب الرقمي هو الوقود الذي يغذي هذه الآلة العنصرية، وقطع هذا الوقود يبدأ من ردهات المحاكم.

كلمة أخيرة: معركة الوعي والقانون

إن واقعة “بورغوس” تدق ناقوس الخطر، وتضع الحكومة الإسبانية والمؤسسات القضائية والحقوقية أمام مسؤولياتها التاريخية لوضع حد لهذا التسيب التحريضي الذي يهدد التعايش السلمي.

كما أنها توجه رسالة واضحة لكافة أفراد الجالية المغربية والعربية في إسبانيا وأوروبا: إن الرد على خسة اليمين المتطرف وحقارته لا يكون بالانفعال العشوائي، بل بالتوثيق القانوني الصارم، والتكاتف المدني، والاندماج الفاعل والقوي الذي يجعل من الجالية قوة انتخابية وحقوقية قادرة على تأديب تجار الكراهية، وإسقاط أقنعتهم الزائفة أمام الرأي العام، لتظل كرامة الأبرياء عصية على كل محاولات الابتزاز السياسي الرخيص.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *