كُولُومْبُوسْ فِي وَهْرَانَ؟ حِينَ تَتَحَوَّلُ السُّخْرِيَّةُ الرَّقْمِيَّةُ إِلَى “حَقَائِقَ” تَارِيخِيَّةٍ جزائرية مُزَيَّفَةٍ… عِنْدَمَا يَلْعَبُ الفَيْسْبُوكُ بِالتَّارِيخِ: حَقِيقَةُ الصِّلَةِ المَفْقُودَةِ بَيْنَ كْرِيسْتُوفْ كُولُومْبُوسْ وَوَهْرَانَ

كُولُومْبُوسْ فِي وَهْرَانَ؟ حِينَ تَتَحَوَّلُ السُّخْرِيَّةُ الرَّقْمِيَّةُ إِلَى “حَقَائِقَ” تَارِيخِيَّةٍ جزائرية مُزَيَّفَةٍ… عِنْدَمَا يَلْعَبُ الفَيْسْبُوكُ بِالتَّارِيخِ: حَقِيقَةُ الصِّلَةِ المَفْقُودَةِ بَيْنَ كْرِيسْتُوفْ كُولُومْبُوسْ وَوَهْرَانَ

 

 

عبدالقادر كتـــرة

تنتشر بين الحين والآخر على منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات الفكاهة الرقمية منشورات طريفة ونوادر مصطنعة تحاول إيجاد روابط تاريخية عجيبة وغريبة بين شخصيات عالمية شهيرة ومناطق محلية جزائرية.

ومن أطراف هذه “الروايات الافتراضية” ما يتردد أحياناً عن توقف الرحالة الإيطالي كريستوف كولومبوس بموانئ السواحل الجزائرية، وتحديداً مدينة وهران، وكأنه كان يبحر في نزهة بحرية متوسطية قبل أن يقرر بالصدفة اكتشاف العالم الجديد.

ولكن، بعيداً عن عالم الكوميديا السوداء والمستملحات الرقمية الجزائرية السخيفة والرديئة والغبية التي تملأ صفحات الفكاهة، ماذا يقول التاريخ والجغرافيا عن مسار هذا البحار الشهير؟

التاريخ الحقيقي: جغرافيا لا تقبل المزاح

تشير السجلات والوثائق التاريخية الموثقة بدقة إلى أن حياة كريستوف كولومبوس ومساراته البحرية واضحة ومدروسة.

وُلد كولومبوس في جمهورية جنوة بإيطاليا، وبدأ حياته البحرية المبكرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث زار عدداً من الموانئ الأوروبية التجارية المعروفة في ذلك العصر. لكن نقطة التحول الكبرى في حياته حدثت حين انتقل للعيش في البرتغال ثم إسبانيا، ساعياً وراء حلمه الكبير في إيجاد طريق بحري جديد نحو آسيا بالإبحار غرباً عبر المحيط الأطلسي.

وحين حالفه الحظ أخيراً بالحصول على التمويل والدعم من الملكين الكاثوليكيين الإسبانيين، انطلقت رحلته التاريخية الأولى شهير يوم 3 غشت 1492م من ميناء “بالوس دي لا فرونتيرا” في جنوب إسبانيا، مروراً بجزر الكناري، ومن هناك اتجه مباشرة نحو الغرب في قلب المحيط الأطلسي المفتوح، ليصل إلى جزر الباهاماس في الكاريبي.

بهذا المعنى الجغرافي البحت، لم تكن هناك أي صلة أو تقاطع بين رحلات كولومبوس الاستكشافية وموانئ البحر الأبيض المتوسط عموماً، أو السواحل المغاربية ووهران خصوصاً. فالمتوسط كان يقع في الاتجاه المعاكس تماماً لوجهته الغربية الكبرى.

تراجع الوعي وطغيان التفاهة على المشهد العام

إن محاولة تحويل “المستملحات” الساخرة والطرائف الافتراضية إلى سرديات شعبية يُعتقد بصحتها أحياناً، تعكس بوضوح ذلك الانزلاق الخطير الذي يعاني منه جزء واسع من الفضاء الرقمي الجزائري اليوم. فبدلاً من أن تكون منصات التواصل الاجتماعي فضاءً لنشر المعرفة وتصحيح المفاهيم، تتحول أحياناً إلى مصانع لإنتاج الجهل الممنهج وتكريس السطحية، حيث يتم الاستخفاف بالحقائق التاريخية وتطويعها بغرض تبني البطولات الكارتونية الوهمية أو ركوب موجة التفاعل الافتراضي (الـتفاعل أو البوز).

إن تراجع التفكير النقدي وقبول المعلومات الخاطئة دون تمحيص، لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح انعكاساً حقيقياً لتراجع الوعي وطغيان التفاهة على المشهد العام.

وحين تفقد المجتمعات قدرتها على الفصل بين الادعاءات البريئة التي تُقال على سبيل ال، وبين المعلومة التاريخية الموثقة، فإننا نكون أمام أزمة وعي حقيقية تستدعي الوقوف عندها.

خلاصة القول، كريستوف كولومبوس لم يرسُ بسفينه يوماً في وهران، ولم تكن له أي علاقة تنظيمية أو استكشافية بالساحل المغاربي في رحلته نحو العالم الجديد.

وما يُتداول في هذا الشأن ليس سوى ابنِ شرعي لثقافة “الميمات” والتفاهة الرقمية التي لا تربطها بكتب التاريخ صلة.

ولذلك، يبقى الواجب الإدراكي يفرض علينا الاستمتاع بالفكاهة والسخرية في حدودها الطبيعية، مع ترك التاريخ الحقيقي لأهله من المؤرخين والباحثين، بعيداً عن تحويل الهزل إلى حقيقة مغلوطة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *