صَفْقَةُ الصَّحْرَاءِ الْمَنْسِيَّةُ: الْحُكُومَةُ الْمُؤَقَّتَةُ مَنَحَتِ الْجَزَائِرِيَّةَ الضَّوْءَ الْأَخْضَرَ لِتَجَارِبِ فَرَنْسَا النَّوَوِيَّةِ… الْمَسْؤُولِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ لِتَوَرُّطِ الْقِيَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فِي مَأْسَاةِ رَغَّانَ

صَفْقَةُ الصَّحْرَاءِ الْمَنْسِيَّةُ: الْحُكُومَةُ الْمُؤَقَّتَةُ مَنَحَتِ الْجَزَائِرِيَّةَ الضَّوْءَ الْأَخْضَرَ لِتَجَارِبِ فَرَنْسَا النَّوَوِيَّةِ… الْمَسْؤُولِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ لِتَوَرُّطِ الْقِيَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فِي مَأْسَاةِ رَغَّانَ
عبدالقادر كتـــرة

بين طيات الذاكرة الوطنية الجزائرية، تظل فترات معينة محاطة بهالة من التعتيم والصمت، لا سيما تلك المرتبطة بالكواليس السياسية التي سبقت وأعقبت إعلان الاستقلال.
وبينما تحتفظ الذاكرة الجماعية ببطولات الثورة التحريرية، يغيب عن الكثيرين جانب مظلم ومعقد تمثل في بنود وملاحق “اتفاقيات إيفيان” الموقعة في 18 مارس 1962؛ حيث تكشف الوثائق التاريخية عن تورط سياسي مباشر من قبل “الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية” (GPRA) في الموافقة على منح فرنسا امتيازات كبرى وقواعد عسكرية وحق إجراء تجارب نووية في الصحراء الجزائرية.
كواليس التفاوض وتنازلات السيادة
حين جلس ممثلو الحكومة المؤقتة على طاولة المفاوضات مع الطرف الفرنسي في مدينة إيفيان الفرنسية، وجد المفاوض الجزائري نفسه محاصراً بمعادلات صعبة وضغوط استثنائية. ففي ذلك الوقت، كانت فرنسا تلوح بخيار فصل الصحراء الجزائرية عن شمال البلاد وإبقائها تحت سيادتها المباشرة مستغلة ثرواتها الباطنية وموقعها الجيوسياسي.
ولتحقيق هدف الحفاظ على الوحدة الترابية للبلاد ومنحتها الاعتراف الرسمي، قبلت قيادة الحكومة المؤقتة تقديم تنازلات استراتيجية وعسكرية بالغة الخطورة.
تضمن الملحق العسكري للاتفاقيات بنوداً صريحة تسمح لفرنسا بالاستمرار في استخدام الصحراء الجزائرية كحقل لتجاربها العسكرية والنووية، فضلاً عن الاحتفاظ بقواعد استراتيجية حيوية مثل قاعدة “مرس الكبير” البحرية وتسهيلات جوية متعددة لفترات زمنية متفاوتة.
واقع التجارب النووية بعد الاستقلال
لم تكن تلك البنود حبراً على ورق؛ بل تحولت إلى واقع مأساوي طال الإنسان والبيئة في الصحراء الجزائرية.
فخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1962 و1966، وبعد نيل الجزائر استقلالها الرسمي، أُجريت 13 تجربة نووية باطنية تحت الأرض وتحت الغطاء القانوني لتلك الاتفاقيات.
تحولت مناطق مثل رغان وعين إيكر إلى مسرح لمخلفات إشعاعية خطيرة دمرت الغطاء النباتي، وأودت بحياة الآلاف من المدنيين والعسكريين جراء الأمراض السرطانية المستعصية والتشوهات الخلقية التي ما زالت أجيال الصحراء تعاني من تداعياتها المدمرة إلى يومنا هذا.
المسؤولية التاريخية وتداعياتها
يضع هذا الملف التاريخي النخب السياسية والمؤرخين أمام إشكالية أخلاقية وسياسية معقدة تتعلق بمسؤولية الحكومة المؤقتة.
فمن الناحية القانونية والسياسية، منحت قيادة الحكومة المؤقتة الغطاء الرسمي الذي تتذرع به الدولة الفرنسية اليوم للتهرب من التزاماتها القانونية والأخلاقية، إذ تؤكد باريس باستمرار أن تلك الأنشطة جرت بموجب اتفاقيات دولية موقعة وموافق عليها من السلطة الشرعية الجزائرية الممثلة للمفاوضات آنذاك.
هذا التورط المفترض أو الواقع على مستوى القيادة التاريخية أفرز لاحقاً انقسامات حادة داخل صفوف الثورة نفسها، حيث رفضت قيادات الجيش وجناح “جيش الحدود” تلك التنازلات معتبرين إياها مساساً خطيراً بالسيادة الوطنية، وهو ما مهّد الطريق لصراعات السلطة بُعيد الاستقلال.
اليوم، وأمام استمرار مطالبات المجتمع المدني وضحايا التجارب النووية بالاعتراف والتعويض وتطهير المواقع الملوثة، يظل ملف اتفاقيات إيفيان وملاحقها السرية جرحاً ينزف في ذاكرة الأمة، وتذكرة بأن التضحيات الكبرى للثورة رافقتها أحياناً تعقيدات سياسية وتنازلات قاسية دفعت شعوب الصحراء الجزائرية ثمنها غالياً.

فيديو للمشاهدة

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *