مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الْعَاصِمَةِ الْجَزَائِرِيَّةِ: بَعِيداً عَنِ الْأَضْوَاءِ… جِنِرَالَاتُ سُورْيَا “الْأَسَدِ” الْهَارِبِ فِي ضِيَافَةِ الْجَزَائِرِ بَيْنَ الْحِمَايَةِ الْأَمْنِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ
بعيداً عن صخب الجبهات وضجيج التصريحات السياسية، تشهد الأوساط الجيوسياسية حراكاً صامتاً يتمثل في انتقال عدد من القيادات العسكرية السورية الرفيعة للعيش في الجزائر. جنرالات وضباط سامون، ممن لعبوا أدواراً محورية في مسار الأزمة السورية الممتدة، يجدون اليوم في أحياء الجزائر العاصمة الراقية وشققها الفاخرة ملاذاً يجمع بين الاستقرار الأمني، والابتعاد عن تعقيدات المشهد الداخلي السوري، وربما ممارسة أدوار استشارية في الظل.
فما الذي يفسر هذا التقارب؟ وكيف يمكن قراءة هذا الملف بعيداً عن السطح؟
استثناء دبلوماسي امتد لسنوات
لفهم هذا الانتقال، يجب العودة إلى جذور العلاقات بين البلدين. فالجزائر شكلت طيلة العقد الماضي استثناءً بارزاً في العالم العربي، حيث حافظت على شعرة معاوية مع دمشق، ورفضت قطع العلاقات الدبلوماسية أو إغلاق السفارات، بل ولعبت دوراً كبيراً في كواليس عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية.
هذا الرصيد من الثقة المتبادلة جعل من الجزائر وجهة مفضلة وموثوقة للقيادات السورية التي تبحث عن بيئة صديقة، بعيداً عن طائلة العقوبات الدولية المتمثلة في “قانون قيصر” والملاحقات الغربية.
تقاعد فخري في شقق فاخرة
لا يمكن فصل توفير شقق فاخرة وإقامات مؤمنة لهؤلاء الضباط عن البروتوكولات المعمول بها في استضافة حلفاء استراتيجيين. بالنسبة لبعض هؤلاء الجنرالات، يمثل الانتقال إلى الجزائر بمثابة “تقاعد فخري” وفرصة للابتعاد عن التجاذبات الحادة في الداخل السوري، ومكافأة على سنوات الخدمة في ظروف بالغة التعقيد.
توفر السلطات الجزائرية لهؤلاء حماية أمنية مشددة ونمط حياة مستقر، وهو ما يعكس رغبة في الحفاظ على الرموز العسكرية للحليف السوري في مأمن من أي تقلبات مفاجئة.
استشارية عسكرية: نقل خبرات “حرب المدن”
في المقابل، لا يبدو أن هذا الانتقال يقتصر على الجانب الإنساني أو البروتوكولي البحت. فالجيش السوري، وبعد سنوات طويلة من المعارك الطاحنة، راكم خبرات ميدانية نادرة في مجال “حرب المدن”، ومكافحة التمرد، والتعامل مع التهديدات غير النمطية.
هنا تبرز الفرضية الأقوى: الاستفادة من هؤلاء الضباط في مهام استشارية وتدريبية.
وما يسهل هذه المهمة هو “وحدة العقيدة العسكرية”؛ فكلا الجيشين، السوري والجزائري، يعتمدان في تسليحهما وهيكلتهما التنظيمية على المدرسة الروسية والسوفيتية. هذا التطابق يجعل من تبادل الرؤى التقنية والاستراتيجية أمراً سلساً، ويوفر للمؤسسة الأمنية الجزائرية مستشارين يمتلكون خبرة قتالية حديثة وواقعية.
رسائل جيوسياسية متعددة الاتجاهات
في المحصلة، يعكس استقبال القيادات العسكرية السورية في الجزائر تقاطعاً للمصالح الاستراتيجية.
فهو من جهة يؤكد استقلالية القرار السياسي الجزائري وقدرته على توفير مظلة حماية لحلفائه في أحلك الظروف، ومن جهة أخرى، يمنح دمشق متنفساً حيوياً لقياداتها بعيداً عن الضغوط.
ويبقى هذا الملف، رغم إحاطته بالكثير من الكتمان، مؤشراً واضحاً على أن التحالفات العميقة في المنطقة لا تُصنع فقط في أروقة الدبلوماسية، بل تترجمها تحركات هادئة لجنرالات اختاروا الاستقرار خلف الكواليس.

